جرش .. الحضارة المدفونة
سرداب خفي وأساطير الكنوز المدفونة تغري لصوص الآثار
شبح يرافق العابرين بجرش
هول الليل
جولة: سعيد الزهراني تصوير: يحيى الفيفي 3
لم يشفع تاريخ جرش الممتد إلى ما قبل الإسلام ولا مكانتها إبان البعثة في استلهامها من قبل المؤرخين الأوائل فقد خلت المصادر المتقدمة منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وبداية القرن الرابع منذ ذكر المخلاف، ولم يكن لها إلا إشارات بسيطة، عند ذكر الطريق الذي يربط اليمن مع الحجاز عبر الأجزاء الشرقية من بلاد السراة، والأغرب من ذلك أنه لم يعد له ذكر بعد القرن السابع الهجري، ولم يصلنا شيء عنه منذ بداية القرن الثامن. وكما اختفى ذكر مخلاف جرش في كتب التاريخ اندرست مدينة جرش, وأصبحت أثراً بعد عين بعد أن دفنت المدينة وتاريخها تحت أكوام التراب أو أقواز التراب كما يطلق عليها سكان محافظة رفيدة. جرش حاليا ورغم تاريخها ومكانتها القديمة تحولت إلى أرض فضاء مسورة من كافة جهاتها ولا يبدو ان للعوامل الطبيعية دورا في ما حدث لجرش بل انه تم بفعل فاعل سواء بهدف حماية آثار جرش من السرقة أو لأهداف أخرى، وأيا كانت الأسباب وراء دفن مدينة أثرية تمتد على مساحة تزيد عن 6 كيلو مترات مربعة فهي أمر مستغرب ويخفي كثيرا من الحقائق التاريخية عن سكان الجزيرة العربية وبلاد اليمن في الحقب الزمنية المتعاقبة.
وهذا الرأي أجمع عليه كل من حاورتهم في جولتي لرصد آثار مدينة جرش وكنت في بدايتها متلهفا لمشاهدة المدينة التي أخذت حيزا كبيرا في كتب التاريخ وكانت لها مكانة عظيمة من قبل الإسلام إلى العصر العباسي بيد أن كل ما يمكن أن يقال, ان من يشاهدها يشعر بصدمة بين ما يؤمل به نفسه وبين ما يشاهده على أرض الواقع.
مدفونة عمداً
هنا تقبع جرش التاريخية تحت أطنان من الرمال وقد تم دفنها عمدا ولا يعلم أحد ما تخفي بجوفها لتتحول إلى أرض فضاء تملؤها أشجار الشوك والقبور الحديثة وأعمدة الكهرباء فيما تحيطها الأسوار من كل جانب، كما تنتشر الصخور المتراصة داخل الأرض وكأنها تشير إلى مواقع محددة وتعتلي أكوام الرمل الأرض حينا وتنخفض حينا آخر.
ويفسر الباحث التاريخي سعيد بن جفشر ذلك بأن أكوام التراب البارزة على الأرض, بأنها تشير إلى وجود منازل تحتها وكلما انخفضت دلت على الساحات المحيطة بالمنازل ، أما اختلاف أحجام الأكوام فيعود إلى تباين أحجام المنازل بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة, مشيرا إلى أنها قد تكشف عن مكانة أصحاب سكان هذه البيوت في مجتمع جرش, خاصة في حالة مشاهدتها على الطبيعة وليس الاعتماد على الظن.
ومن الصعب إيجاد تصور دقيق لمدينة جرش ومنازلها وهي غير ظاهرة للعيان وكل ما توفر رصده عبارة تصورات ظنية ومشاهدات قديمة لبعض كبار السن المجاورين لمدينة جرش الأثرية, ولكنها تبقى التصور الوحيد رغم ما يكتنفها من الغرابة, وما قد يتعرض له مشاهدوها من حالات النسيان, خاصة أن ما تمت مشاهدته كان بعض الأجزاء الصغيرة من المدينة ومنذ مدة تزيد على الستين عاما.
سرداب جرش
ويروي الشيخ سعيد ابو حاصل (70) عاما قصصا عدة شهدها موقع مدينة جرش خلال السنوات القديمة وأحداثا تعرض لها الموقع ومكنته من مشاهدة بعض معالم المدينة ويذكر أن أولى مشاهداته كانت وهو لا يزال طفلا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وكان عبارة عن سرداب يمتد من شرق المدينة الأثرية إلى الجنوب ويشير إلى أن السرداب يخترق بعض التلال كنفق قبل أن يظهر مرة أخرى وكان طويلا جدا حتى أن كبار السن كانوا يؤكدون أن السرداب يمتد من السراة عبر التلال والشعاب وصولا إلى الجبال المطلة على الأجزاء التهامية من عسير أما عرضه فلا يتجاوز المتر وقد يضيق حينا و يتسع بالنظر إلى الطبيعة التي تجمع بين الأرض الصخرية وبين الرملية.
ويؤكد أن المياه كانت تملأ السرداب في حالة هطول الأمطار وهو ما قد يشير إلى أن السرداب عبارة عن مجرى مائي حفره أهالي جرش للاستفادة من مياه الأمطار التي تنحدر من الجبال عبر الشعاب والأودية لري مزارعهم ويعضد هذا الرأي أن جرش اشتهرت بمنتوجاتها الزراعية التي ورد ذكرها في عدد من المصادر التاريخية.
وحول مشاهداته لبيوت المدينة الأثرية يقول إنها كانت مدفونة بالكامل منذ القدم ولم يكن ظاهرا منها إلا أجزاء تكشف عن السرداب مشيرا إلى أنه شاهد عن طريق الصدفة بعض بيوت المدينة بعد أن حفر لصوص آثار في أحد المواقع وتسببوا في سقوط سطح منزل بدا مربع الشكل وجدرانه مبنية من الأحجار وتشترك مع بعض جدران المنازل المجاورة.
ولم تخل روايات بعض الأهالي من الطرافة والغرابة, وما نسج حول مدينة جرش الأثرية من القصص والأحداث ، ويدور في أوساط الأهالي قصة غريبة مفادها أن أحد أثرياء المنطقة بدأ تجارته بعد أن عثر على كنز داخل المدينة الأثرية وتشير الروايات إلى أن التاجر شاهد حلما لمدة ثلاث ليال متتالية رأى فيه الكنز وحدد موقعه.
هول الليل
ويقول البعض إنهم كانوا يشاهدون شبحا يطلق عليه (هول الليل) وكان يسير جنبا إلى جنب بمحاذاة الساري ليلا حتى يتجاوز موقع المدينة الأثرية فيختفي الشبح في الظلام.
ورغم أن مثل هذه القصص ما زالت محور حديث كبار السن في محافظة أحد رفيدة إلا أنها أخذت تتلاشى بعد النهضة العمرانية وانتشار الوسائل الحضارية الحديثة وأصبح الاهتمام بالمدينة الأثرية وإبرازها كمعلم سياحي وموقع أثري محور حديث الأهالي ويدعو عون القحطاني هيئة السياحة والآثار إلى فتح المدينة أمام الزوار الذين يفدون لزيارتها باستمرار ولا يعودون منها إلا بالصدمة بعد أن تحول الموقع الأثري إلى أرض مسورة لا تختلف عن سواها إلا في ما تخفيه في باطنها من تاريخ وآثار لا يعرف عنهما أي شيء حتى الآن.
ويستغرب عبدالرحمن ابو شعطط ما يتعرض له الموقع الأثري من انتهاك ويتساءل عن فائدة تسوير الموقع باعتباره موقعا أثريا في ظل انتشار أعمدة الكهرباء الحديثة في كل جزء منه، ويضيف: إذا كان الهدف من التسوير تحديد الموقع كأثري فإن انتشار أعمدة الكهرباء الحديثة تنفي هذه الصفة أما إذا كان الهدف حماية الموقع من لصوص الآثار فإن عمليات الحفر لإقامة الأعمدة لا تحقق هذا الهدف.
غياب التنقيب
ويقول الدكتور غيثان الجريس استاذ التاريخ بجامعة الملك خالد بأبها: بما أن مخلاف جرش عاصر الأزمنة الأولى من دولة الإسلام بما فيها من أحداث تاريخية، وممارسات حضارية، خاصة الصناعية والتجارية منها بسبب أهمية موقعه ما بين الحجاز واليمن، فإنه يجب على المؤرخين والمهتمين بالآثار بذل ما في وسعهم في البحث عن معالم هذا المخلاف، وهذا العمل يقع على كاهل الأثريين والمؤرخين في الدرجة الأولى، لأن الكشف عن الصور الحضارية في هذه المنطقة مفخرة لأبناء الجزيرة خاصة، وللمسلمين عامة، مشيرا إلى أهمية فتح المجال أمام الدارسين لتحقيق هذا الهدف، ودعا المسؤولين عن السياحة والآثار إلى الاستفادة من المعالم الأثرية التي تعج بها المنطقة وإبرازها للعالم.