الأسوأ من الغلاء.. خطر تمرير علاج الصدمة
في خمسينات القرن الماضي تطور علاج للأمراض العقلية بالصدمة الكهربائية، واشتهر بهذه المعالجة د.إيان كاميرون الذي مولته المخابرات الأمريكية، والذي كان يعرض دماغ المريض لصدمات كهربائية عالية تؤدي لمسح ذاكرته تماما وترجعه كمولود لا يعرف حتى كيف يمشي لتجري إعادة برمجته، وعنها تولد مفهوم اقتصادي يعرف بـ(علاج الصدمة) الذي طوره متزعمو حركة الاقتصاد في القرن العشرين كالأمريكيين (د.جيفري ساكس) و(د.مليتون فريدمان) والصدمة الاقتصادية هي إحداث التغيرات الاقتصادية الجذرية التي تتطلبها المؤسسات الدولية كإيقاف الدعم وخصخصة القطاع العام وفتح الأسواق بشكل مفاجئ وشامل بما يشبه الصدمة للشعب، وكان لهذه السياسة أثر مدمر على اقتصاديات الدول، كما قال الاقتصادي الأمريكي د.جوزيف ستجليتس، الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد الذي كان كبير اقتصاديي البنك الدولي ونائبا لرئيسه، ورئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين لكلينتون، ففي كتابه (العولمة وخيباتها) انتقد مؤسسة النقد الدولي وإجبارها الدول على اعتماد سياسة (الصدمة) التي أدت لآثار مدمرة، وحسب (ستيجليتس) فهناك سببان لإجبار الدول على تطبيق (الصدمة) أولها: غرور القوة، فمجتمع القائمين على تلك السياسات يعتنق عقيدة متطرفة أسماها بـ(أصولية السوق)، ثانيها: المؤسسات الدولية تمثل مصالح ثلة اقتصادية تشكل ظروف الفوضى التي تحدثها إجراءات الصدمة فرصة لها لنهب موارد الدول، وفي كتاب الباحثة الكندية (نعومي كلاين) “نهج الصدمة، قيام رأسمالية الكوارث- The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism” قامت بتوثيق تزامن تطبيق سياسة (الصدمة) مع كوارث طبيعية وكوارث بفعل الإنسان وذلك لاستغلال انشغال الرأي العام بالكارثة لتفادي ردات الأفعال الشعبية على تغيرات الصدمة، وأبرز الأمثلة تشيلي بعد انقلاب الديكتاتور بينوشيه المتهم بجرائم واسعة ضد شعبه، واندونيسيا وانقلاب سوهارتو الذي قتل مليون إنسان، وروسيا بعد انهيار الإتحاد السوفيتي عندما جمد يلتسين البرلمان وقصفه وتسبب بمقتل وإصابة ألف وخمسمائة روسي، وبدأ حربا ضد الشيشان قتلت مائة ألف شيشاني، وفي هذه الأجواء مرر سياسة اقتصاد الصدمة التي تركت موارد البلد نهبا للمافيا وثلة من الانتهازيين ولا يزال الاقتصاد الروسي على حافة الانهيار، وأوضح الأمثلة هو العراق حيث كان مسمى الحرب الأمريكية (الصدمة والترويع) وتفاخر الحاكم الأمريكي بريمر في كتابه بأنه وقع على قرارات فتح العراق للاستثمارات الأجنبية وتخصيص القطاع الحكومي وقطاع النفط وبغداد لا تزال تحترق، وبعد إعصار كاترينا في ولاية نيواولينز الفقيرة بأمريكا، جرت حملة خصخصة كبرى، فقبل الإعصار كانت هناك خمس مدارس أهلية و175 حكومية، لكن بعد الإعصار جرى تخصيصها وأعيد فتح ثلاثين مدرسة حكومية فقط بينما افتتحت أربعون مدرسة أهلية، ومررت سياسات الصدمة في الدول التي ضربها التسونامي، ولهذا الشعوب تضع يدها على قلبها كلما حلت بها كارثة، لأن هناك جهات ستستغل مأساتها وتضاعفها بتمرير سياسات (الصدمة) وشرح (د.ستجليتس) كيف استغلت مؤسسة النقد الدولي انهيار أسواق النمور الأسيوية لتجبرها على سياسة (الصدمة) والآن يُخشى أن تُستغل أزمة غلاء أسعار الغذاء لتمرير المزيد من سياسات (الصدمة) لأننا في الزمن الذي إن لم تكن فيه ذئبا أكلتك الذئاب.
bushra.sbe@gmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 111 مسافة ثم الرسالة