الأمن الغذائي والأهمية المتزايدة
قرار مجلس الوزراء الأسبوع الماضي المتعلق بضرورة إيجاد حلول لمسألة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وضع الأسس الرئيسية لإستراتيجية وطنية للأمن الغذائي، ترتكز على بناء مخزون إستراتيجي من المواد الغذائية وأيضا تشجيع الاستثمار الخارجي في المجال الزراعي. هذا القرار يدل أيضاً على استفحال أزمة الغذاء بشكل متواتر، في نفس الوقت الذي هو تأكيد على أن الأمن الغذائي هو جزء من منظومة الأمن الوطني، وأنه قد لا يقل أهمية عن الأمن العسكري أو السياسي. وقد أدركت كثيراً من الدول أهمية الأمن الغذائي منذ وقت مبكر.
فهذه أوروبا وأمريكا تتصارع حول موضوع السياسات الزراعية التي يتبناها كل طرف، خاصةً في ما يتعلق بسياسات الدعم الحكومي للقطاع الزراعي وفرض حواجز على السلع الزراعية الأجنبية أحياناً، ولا يزال هذا الموضوع ينتظر الحل رغم أن الطرفين من رعاة حرية التجارة ومن الدافعين لإنشاء منظمة التجارة العالمية. كذلك نجد إسرائيل ركزت منذ وقت مبكر على التغلغل في دول القرن الأفريقي وما جاورها من خلال تعزيز علاقاتها مع هذه الدول، وكان الجانب الزراعي أحد العوامل التي حرصت إسرائيل على تسجيل حضور مميز فيه من خلال الإعانات التقنية لهذه الدول وشراء المزارع..الخ. خاصةً أن معظم الدول الواقعة في هذا النطاق الجغرافي هي دول زراعية بالمقام الأول، إضافةً إلى موقعها الإستراتيجي المتاخم للعالم العربي وسيطرتها على ممرات مائية مهمة، لذلك أصبح النفوذ الإسرائيلي في هذه الدول جزءًا من نظرية الصراع العربي الإسرائيلي.
مما لا شك فيه؛ أن قرار مجلس الوزراء ينبع من حرص الحكومة على تخفيف تكاليف المعيشة على المواطن.
ومن المتعارف عليه في الفكر الاقتصادي الليبرالي أن الصادرات تدفع ثمن الواردات، بالتالي فإن مداخيل الدول من وارداتها يجب أن تساهم في دفع فاتورة ما تستورده، وهذا كله يعمل وفقا لقاعدة الميزة النسبية بطبيعة الحال. وقرار مجلس الوزراء الأسبوع الماضي يصبُّ بشكل أو آخر في هذا الاتجاه، خاصةً من خلال تقديم التسهيلات المالية والائتمانية للشركات الراغبة في الاستثمار الخارجي الزراعي، وأن يكون ذلك في الدول التي لديها ميزة نسبية في مجال الزراعة. وكانت الدول المرشحة لأن تستحوذ على اهتمام المستثمرين السعوديين هي دول الجوار الأفريقي وبعض الدول الآسيوية. لكن كما هو معروف، فإن المخاطر السياسية تشكل أيضاً عاملاً هاماً ومحدداً رئيسياً في مسألة الاستثمار الأجنبي، وأغلب الدول الأفريقية المجاورة تعاني من عدم الاستقرار بدرجات متفاوتة وهي أيضاً مخترقة من قبل الدول الغربية أو إسرائيل، وبعض الدول الأخرى ذات باع طويل في مجال الزراعة مما يعطيها خبرة أكبر في هذا الشأن ويعزز من وتيرة المنافسة. ومع إدراكنا أن الشأن الاقتصادي قد لا تكون له حساسية كبيرة مقارنة بالجانب السياسي والعسكري إلا أن فصل السياسة عن الاقتصاد شبه مستحيل في الوقت الحاضر، وقد يجابه المستثمر السعودي منافسة حادة من قبل الغير لأسباب سياسية أو غير سياسية، خاصة من قبل الأطراف التي تمتلك التقنية والخبرة الكبيرة.
من ناحية أخرى، لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن يساهم الاستثمار الزراعي الخارجي في تعزيز الأمن الغذائي للمملكة، لأنه في أحد جوانبه يخلق نوعاً من التبعية مع العالم الخارجي، كما هي الحال في الاستيراد البواح المعهود في السابق، إضافةً إلى عامل الجدوى والمنافسة الذي يجب أن يؤخذ في الحسبان. تزايد الطلب سوف يستمر والمخزون الإستراتيجي الغذائي لا يعدو أن يكون حلا وقتيا عند الأزمات، وزيادة دخل المواطن لكي يتسق مع الزيادة في تكلفة المعيشة أمر لا مناص منه رغم كل الجهود التي تحاول أن تبذلها الحكومة، ومهما قيل من أن ذلك سوف يزيد من الطلب نتيجة زيادة الموارد المالية لدى الفرد.
knhabbas@hotmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 145 مسافة ثم الرسالة