أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
الاقتصاد السياسي للأرز
جبل الشعب السعودي مثله مثل معظم الشعوب الآسيوية على حب طعام الأرز، واستتبابه على موائدهم ظهيرة كل يوم. وإذا كانت الشعوب الأوروبية مغرمة بأكل البطاطس، وإن لم تكن تنتجه بشكل كاف لسد إحتياجاتها، فإن الشعوب الآسيوية تفضل طبق الحبة البيضاء على موائدها. وقد نجحت هذه القارة العجوز أن تنتج معظم إحتياجاتها خلال السنين الماضية، غير أن التزايد المتعاظم لأعداد السكان وتحسن أوضاعهم المعيشية، قد زاد من الطلب، في الوقت الذي تراجعت كميات الإنتاج من هذا المحصول الغذائي الهام.
وكنا كطلاب في علم السياسية لا نأبه لهذه المشكلة طالما أنها لم تؤثر في الاستقرار السياسي للدول، أما اليوم فقد تنبهت معظم الدول لأهمية استحواذها على كميات كافية من المحصول لتلبية الطلب الأساسي لغذاء مواطنيها. وقد اختلفت السياسات المتبعة في هذا الشأن، فبالنسبة للدول المصدرة مثل مصر والهند، فقد وضعت هذه الدول قيوداً وفرضت ضرائب على التصدير. أما بالنسبة للدول المستوردة فقد حاولت التنافس فيما بينها بحيث اشترت كميات كبيرة من المحصول لتأمين احتياجات مواطنيها لعدة شهور، وقد زاد هذا التنافس بحيث زاد كذلك من حدة ارتفاع الأسعار.
وحيث أنني غير مختص في الشؤون الزراعية، فقد حاولت أن أبحث قليلاً في هذا الموضوع، وارتأيت أن اصطحب القارئ الكريم قليلاً مع الإحصاءات المتاحة، خاصة من قبل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
وحين مراجعة الإحصاءات التي تنشرها المنظمة فإننا نرى بأن أغلب الدول العربية، عدا تونس وليبيا والمغرب وبلاد الشام، كانت تعاني من نقص حاد في الغذاء عام 1970م. بحيث كان نصف عدد السكان يعيشون تحت خط الفقر الغذائي، ويعانون من مشاكل حادة في الحصول على الغذاء.
أما اليوم فقد تراجعت هذه النسبة بسبب التدخل الحكومي في السياسات الغذائية، وأصبحت نسبة من يواجهون مثل هذه المشكلة لا تتعدى 15% من السكان. غير أن البلدان التي تعاني من مشكلة في الغذاء، تعاني كذلك من تدهور في استقرارها السياسي، وربما عاش بعضها أتون حرب أهلية. فاليمن التي كان وضعها الغذائي مستقراً في السبعينات أصبح حوالى 36% من سكانها يعيشون اليوم تحت خط الفقر ونقص الغذاء الحاد. أما السودان فإن هذه النسبة تصل إلى 9% ومعلوم أن السودان بلد زراعي منتج للغذاء.
هذه العلاقة بين الغذاء والعنف السياسي يبدو أنها ذات علاقة طردية، بمعنى أنه كلما نقصت المحاصيل الزراعية فإن احتمال نشوب نزاعات أهلية يتزايد، وكذلك فإن الحروب أهلية كانت أم دولية، عامل مهم في تناقص الغلال وحدوث المجاعات. وربما لا تقتصر هذه العلاقة على عاملين اثنين، فإن الزيادة الحادة في عدد السكان يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً ومحفزاً لهذه العلاقة الطردية. وهناك حاجة للمختصين للقيام بدراسات إمبريقية حول الموضوع لأهميته من ناحية علمية، ولأهمية كذلك من ناحية سياسية للعام العربي الذي يعاني من أزمات عديدة، ومن بينها أزمة توافر الغذاء.
وفي رحلتنا الطويلة للتعرف على مصادر الأمن الغذائي وتهديداته، يمكن كذلك التوقف برهة والحديث عن أكبر المصدرين للأرز فالصين والهند هما أكبر بلدين منتجين للأرز، وهما أكبر بلدين مستهلكين له. فالصين تنتج 38.6% من الإنتاج العالمي للأرز، وتليها الهند بـ 24.5%، ثم إندونيسيا بـ 9.5%. أما البلدان الأخرى التي تصدر هذا المحصول فهي تايلند وفيتنام والولايات المتحدة ويتبعهم كل من الهند وباكستان. وتقدم بعض الشركات المختصّة في تجارة الأرز إحصائيات عجيبة عن أنماط الاستهلاك العالمي للأرز. فمثلاً تستهلك المملكة كميات ضخمة من الأرز طويل الحبة، بينما يفضل الأردنيون على سبيل المثال الأرز ذا الحبة المتوسطة، وفي الأسواق الأمريكية يفضل المستهلكون الأرز الأبيض على الأرز الأصفر. ويفضل الأوروبيون بدورهم الأرز البني غير المقشور على الأرز المقشور، وللناس في مذاقاتهم مشارب شتى.
ولا تستهلك جميع أنواع الأرز في طبخ الكبسات، بل إن بعض أنواع الأرز لا يدخل المطابخ البتة. فبينما يستهلك 60% من إنتاج الأرز العالمي للطعام بشكل مباشر، فإن ربع الإنتاج العالمي يدخل في صناعات غذائية متعددة، بينما تستهلك شركات البيرة حوالى 15% من الإنتاج العالمي للأرز. ولا توجد إحصاءات عن التوجهات الجديدة لاستخراج كحول الميثانول من المواد الغذائية كالأرز أو القمح، سواءً في البرازيل أو في الولايات المتحدة أو أوروبا. ولا شك أن دخول هذه الشركات لتصنيع الوقود الحيوي من الأرز بدلاً من عرضه في الأسواق العالمية لإطعام الأفواه والبطون الجائعة يعدّ جريمة حقيقية في ظل توافر الوقود الإحفوري من نفط وغاز.
لذلك فإن الكبسة بخير، ما دامت السياسات الحكومية تحرص على توفيرها لمن يطلبها بسعر معقول، أما إذا تدخلت الشركات وبدأت في تخمير الأرز والقمح وغيره من المحاصيل لإنتاج أنواع جديدة من الوقود الحيوي، فإن مستقبل الكبسة في خطر عظيم.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة