زاوية منفرجة
جعفر عباس
من أوكسفورد إلى الحضيض
قبل عشر سنوات كتبت في مجلة "المجلة"، مقالا عن طالبة بريطانية فلتة أحرزت نتائج غير مسبوقة في امتحان الشهادة الثانوية، وتم قبولها في جامعة اوكسفورد إحدى أشهر وأعرق خمس جامعات في العالم وعمرها 13 سنة.. اسمها صوفية.. نعم من عائلة مسلمة مهاجرة،.. ما حملني على الكتابة عنها آنذاك ليس هو دخولها الجامعة بينما نظراؤها في منتصف رحلة التعليم العام، بل هروبها من منزل أهلها وتركها للجامعة التي قضت فيها قرابة العامين.. اختفت صوفية عن الأنظار، وبعد أيام اتصلت بإحدى الصحف لتبلغ والديها أنها بخير وان كل ما هناك هو أنها لا تريد العودة الى بيت والديها .. لماذا يا بنت الناس ووالداك هما اللذان جعلا منك متفوقة حيث كانت أمك تدرسك الرياضيات والفيزياء ووالدك يدرسك الكيمياء والأحياء؟ قالت إن والديها حرماها من طفولتها ويضغطان عليها هي وأختها الصغرى لتتفوقا في الدراسة، وأضافت ان أباها كان يقسو عليها كي تصبح لاعبة تنس استثنائية.
لي ولد سيجلس لامتحان الشهادة الثانوية البريطانية بعد أيام، ومثل معظم الآباء المنتمين الى عائلات فقيرة (والفقر نسبي،.. ولا أزعم أنني فقير الآن، ولكنني عرفت الفقر والحرمان لسنوات طويلة) .. المهم أنني شأني شأن معظم الآباء والأمهات من ذوي الدخل المهدود الذي ينخر فيه الدود، أعرف أنني لا أملك شيئا أورثه لعيالي ومن ثم فإنني أعطي تعليمهم أولوية قصوى.. ولكنني لا أضغط عليهم كي يثبتوا أنهم ورثوا عني الذكاء والعبقرية (بدون فخر، حفظت جدول الضرب وعمري 15 سنة).. فقط أحرص على ان ينجحوا بدرجة تضمن لهم تعليما عاليا في جامعات غير ببغاوية لا يوزع الأساتذة فيها المذكرات بالمجان او بالفلوس.. ظللت أتفقد ولدي بين الحين والآخر لتشجيعه او حثه على استذكار دروسه.. بالعين الحمراء أحيانا وباللين في أحايين أكثر.
ولا أظن انني سأعطيه العين الحمراء بعد الآن، فقبل لحظات كنت أفكر في ابني ذاك، ثم تذكرت صوفية، وكتبت اسمها بالكامل في محرك البحث قوقل وكانت المفاجأة أنها الآن في ال 23 وتكسب 270 دولارا في الساعة.. ويصل دخلها في اليوم الواحد إلى ألف دولار.. ولكنها دولارات قذرة.. والله طفرت الدموع من عيني وأنا أنظر الى موقع على الانترنت أنشأته صوفية لتعلن عن بضاعتها.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
jafasid09@hotmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 151 مسافة ثم الرسالة