التابوت
بقلم: د.عبد العزيز محمد قاسم
لم تفقد الرواية الأدبية بَعدُ مكانتها في الساحة الثقافية، وقد جازف البعض إلى اعتبار زمننا زمن الرواية، وشخصيا أرى أن تأثيرها تجاوز تأثير الشعر من أزمنة بعيدة، ولا أدل على هذا الحضور، طوفان الروايات السعودية التي اجتاحت ساحتنا الأدبية مؤخرا، وكتبتُ غير ذي مرة عن ضعف فن الرواية لدى أحبتنا في التيار المحافظ, وأنه ليس ثمة أسماء لامعة، ولا روايات ترقى لمستوى الاحترافية في العمل الروائي، بالرغم من أهمية هذا اللون الأدبي، ولا أدل على هذا، التأثير الذي تتركه الروايات في نفوس القراء، وخصوصًا الأجيال الناشئة، فضلاًً على أن معظمها تعتبر بشكل أو بآخر وثيقة تاريخية راصدة للحراك الاجتماعي والسياسي للمجتمع الذي تتحدث عنه. ربما أحد أكبر الأسباب تكمن في تلك الأدبيات التربوية للتيار الإسلامي التي لا تولي كثيرًا جانب الفنون أهمية لائقة، بقدر تركيزها الشديد على الأمور الشرعية في جانبها الفكري، أو الأمور التعبدية في جانبها السلوكي، ولست بالمعترض أبدًا على ذلك، بقدر ما كنت أتمنى على أولئك المربين الفضلاء إيلاء حصة لهذه الفنون، وتشجيع الموهوبين – جازمًا أنهم كثر – عبر رعايتهم وتنمية مواهبهم من خلال القراءات المكثفة في ذات الفنون التي برزوا فيها. ما جعلني أكتب هذه المقدمة، أنني شرفت في الأسبوع الفارط بتلبية دعوة كريمة من الأديب إبراهيم الشعبي لإلقاء ورقة في منتداه الثقافي الشهير بصامطة، وأكرمني أخي محمد أبو عقيل بجولة في ربوع أرض جازان الحبيبة من وطني الغالي، وصعدت إلى جبال فيفا في مغامرة رأيت فيها الموت عيانا، تشهدت فيها مرات ومرات، وكدت افعلها بأن أخزّن من أوراق القات التي تكسو تلك الجبال الخلابة، علاجا للوجل وللرهاب الذي تلبسني من تلك الرحلة التي كبرت فعلا عليها. اشتكى المثقفون والمربون الذين التقيتهم في جازان من فشو تخزين القات بين الشباب، ولم أدرك بُعد المأساة التي تخلفها هذه النبتة الخضراء إلا بعد قراءتي لرواية أكرمني بإهدائها الشاعر عيسى جرابا، وهي تصور بحبكة روائية ممتازة أثر هذا الداء المستشري في المجتمع الجازاني سواء على الصعيد الأسري والاجتماعي أم على الصعيد المادي. رواية (التابوت) من تأليف شاب موهوب اسمه الحسين جبره- انتقل في العام الماضي إلى رحمة الله- صورت بمهارة وحس روائي جيد المشكلة، وهي تستحق الاحتفاء من لدن الناشطين في مكافحة هذه الآفة، وأتصور أنها لو حولت لعمل درامي، فستنجح بشكل كبير، وستساهم بطريقة فعالة جاذبة في محاربة هذه النبتة الداء.
الرواية الأدبية أيها السادة تعالج بتمكن واحتراف كثيرا من آفاتنا الثقافية والاجتماعية لدى شرائح وفئات، بما لم يستطعه ألف خطيب و صحفي ومذيع تلفزيوني .