أفــيــاء
بلا هوية 2-2
واستمراراً للحديث الامس فاننا إذا استثنينا ما تخضع له الصحف من توجيهات سياسية أو دينية، فإنها فيما عدا ذلك لا تلزم نفسها بشيء على الإطلاق، فهي قد تنشر اليوم حديثاً يمثل اتجاهاً معيناً ثم تنشر في الغد حديثاً آخر يمثل اتجاهاً مضاداً، كأن تنشر ما يعبر عن حرصها على اللغة الفصحى ودعمها لها ثم تفرد صفحة خاصة للشعر الشعبي، أو أن تزعم أنها تقدر المرأة وتحرص على دعم مكانتها في المجتمع ثم تنشر رسوماً كاريكاتورية تحط من قدر النساء وتسخر منهن، وحجتها في هذا أنها تقدم ما يتفق مع الرأي العام، أو أنها تلتزم الحياد والعدالة في اتاحة حرية التعبير لجميع الآراء.
وهي حجة مائعة، لأسباب كثيرة منها أن الرأي العام ليس دائماً صواباً ويفترض أن يكون للصحيفة دور في توجيهه وتبصيره وليس مسايرته على الضلال فيما يراه، كما أن الحياد ليس ناجحاً دائماً فأحياناً يكون الحياد نوعاً من السلبية الباردة التي تضر ولا تنفع، فضلاً عن أن مسألة العدالة في إتاحة حرية التعبير للجميع هي كذبة كبرى حيث لا تطبيق حقيقياً لها، فهناك من الآراء ما ينفى بعيداً خارج دائرتها.
إن الصحف لابد أن تكون لها رسالة واضحة تؤمن بها وتسعى إلى تحقيقها، ومن الخطل أن تزعم الصحيفة أنها تلتزم الحياد وأنها صوت الجميع، فالحياد يجعلها بلا هوية بلا هدف بلا غاية محددة تسعى إليها، وتظل كل همها أن تنشر ما يرضي الناس ويعجبهم أو يثيرهم، حسن أو ساء، فتهبط مع الهابطين وتجهل مع الجاهلين وتسخف مع السخفاء، وما لهذا وجدت ولا ينبغي لها.
فاكس 4555382
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 160 ثم مسافة ثم الرسالة