أسماء الزهراني
فجر سعيد
مهما اختلف فهم الناس لحرفة الكتابة، وتفسيراتهم لدوافعها، يبقى الدافع المشترك الغالب - ولا حكم للشاذ- هو الهم العام ، حتى وإن كان الكاتب يدري أن احتراقه بكلماته لن يشبه احتراق الشمعة، فلن يستضيء بجذوة روحه أحد، بل غاية ما يحصل عليه هو مزيد من المحترقين بلظى الواقع الصعب. المشي في أنفاق مسدودة، هل هي هواية يتمتع بها الكتّاب من دون البشر؟ أم هي عادة وسواسية تقترن بطول ممارسة الكتابة ؟ الكتابة التي تشبه كثيرا مهنة الاستكشاف، ومع اختلاف طبيعة الأرض المستكشفة، فإن الهدف واحد، هو الوصول لأماكن وقنوات في كيان المجتمع، أماكن لم تتعرض لضوء كافٍ يكشف عن احتقاناتها وامتداداتها في اتجاهات مختلفة. أم أنها لعنة منذورة لكل من يقترب من حمى الحقيقة؟ وهل الكتابة مهنة البحث عن الحقيقة، أم عن وسائل مهادنتها؟ لا أدري كيف يكون وقع الرسائل القادمة من القراء على زميلاتي وزملائي الكاتبات والكتاب، لكني أثق أننا نتشارك تلك الخفقة الموجعة، ولذعة الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، حين تتمنى أن تتحول الكلمات لأياد وسياط، أياد تمتد لأهل الضمير، وسياط تسلط على المتاجرين بأحلام البسطاء، وأوجاعهم. فنكتفي بالتربيت على أكتافهم، نطلب منهم الصبر والاجتهاد في حدود المعقول ، الذي لا يعني أكثر من الانتظار، والانتظار بلا أمل غالبا.
ارسلت لي معلمة تسأل عن سبب معقول لتأخر بدل تقرر أن يصرف لمعلمات مواد العلوم منذ فترة، وتتساءل لم لمْ يصرف للنساء مع صرفه للرجال من سنين طويلة؟ وتنهي رسالتها المفصلة حول التفريق الواضح بين أوضاع المعلمين والمعلمات، مع اندماجهم في وزارة واحدة منذ سنوات، فلا زالت كل جهة تحتفظ بلوائحها دون أي اعتبار للقائمة البشرية الجديدة التي أصبحت تمثلها الوزارة. لا زالت المعلمة ترزح تحت ثقل شكليات القوانين دون أن تحظى بحمايتها، لا زالت الإدارات التعليمية النسائية تحاسب المعلمة على واجباتها دون أن تتابع حقوقها، فمقارنة بحرية المعلمين في الخروج أوقات الدوام والعودة متى شاؤوا، وعدم إلزامهم بشكليات خارجة عن روح العمل، ومجهضة لأهداف العملية التعليمية؛ نجد المعلمة الأم والزوجة غالبا، نجدها هي الأقل درجة بمراحل عديدة، فهي موضع مساءلة مستمرة لا تنتهي، تحت رقابة أكثر من شخص يتنازعون وقتها وتركيزها، فللموجهة معايير وللمديرة معايير وللطالبات مزاجهن أيضا، وما أدراك كيف تقيس طالبات هذه الأيام معلماتهن، والمعلمة تركض في كل اتجاه دون أن تقر عينها برضى أي من الأطراف.
لغتي اليوم تأتي مختلفة، فمن وسط هذه القتامات المتراكمة انطلق صوتها يشق الليل، يؤذن بالفجر الذي كنت أهجس به حين جاءتني البشرى بقدومها، عينان تطلان على الحياة للمرة الأولى، فلعلها تمنحنا نظرة جديدة طازجة خالية من التشاؤم والقنوط، و لعلي بعد هذه الرحلة المثقلة بالشجن أشارككم شيئا من الفرح. لغتي اليوم ترفض أن تختنق في ثوب الرأي، وتريد أن تختال في ثوب من نبض، لأن هذا الصباح جاء مختلفا، وكل صباح يفتتح بصرخة وليد يكون مختلفا، لأن روح حياة جديدة تفعمه، وتحضّره لأن يكون فجرا جديدا بحق. إلى أختي الحبيبة "هدى" وزوجها العزيز أهدي هذا الفجر الجميل، الذي نحلم بأن يكون أكثر من جديد، أن يكون فجرا سعيدا، فاتحة عمر مديد سعيد للفجر الوليد.
asma@alzahrani.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 103 مسافة ثم الرسالة