نجيب عصام يماني
حق وإن كرهت أميمة !
استنكرت أميمة الجلاهمة في "الوطن" على الشيخ عبد المحسن العبيكان كلمة حق قالها في الحوار الوطني السابع وارتدت عباءة الناصحين. وقرّرت بأن مقولته التي دار جدل كبير حول حقيقتها بوجود الموظفة بالحجاب الشرعي في موقع العمل مع عدد من الموظفين لا يُعتبر خلوة ولا يحرم إلاّ في حال الافتتان غير مقنعة لها، محرّضة الشيخ على رفع الأمر إلى القضاء لمحاكمة من نشر الخبر مع انه من قضايا الإعلام.
ويبقى جواز الاختلاط في العمل بالاعتماد على أن هناك فرقاً واسعاً بين الخلوة التي حرّمها الإسلام والاختلاط والذي كان أحد سمات عصر النبوة .. فخروج المرأة للعمل له أصل في الشرع، فقد كان الكثير من نساء الصحابة يخرجن للعمل مثل أسماء بنت أبي بكر التي كانت تعمل في أرض زوجها الزبير، وأم مبشر الأنصارية كانت تعمل في نخل لها وأيّدها ودعا لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير والبركة في عملها، وزوجة عبد الله بن مسعود امرأة كانت ماهرة في الصناعة وتنفـق من عملها على زوجـها وأولادها وقـال لها رسـول الله صلى الله عليه وسلم: «لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم». وهنا يقول ابن حزم فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية تكفّلت بالنفقة عليه لا ترجع بشيء من ذلك بعد اليسار، وقد استنبط الفقهاء أن أهلية المرأة للعمل قيمة ثابتة لا تتبدّل ولا شرط على ممارسة المرأة للعمل إلا الالتزام بالخلق الرفيع والآداب العامة مثلها مثل الرجل تماماً.
فكان المسجد بمثابة الجامعة دون فصل أو حواجز، يتلقّى فيه المسلمون الذكر والأنثى العلم والمعرفة، يسمعون ويتعلّمون ويسألون ويستفسرون. وفي دنياهم كانوا يبيعون ويشترون فهذه تبيع وهذا يشتري، ولم نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر امرأة أن تجلس في بيتها وتنفصل عن مجتمعها أو أمر بأن السوق سوقان واحد للذكور وآخر للإناث فغزوة بني قينقاع كانت بسبب امرأة مسلمة تبيع في ذلك الحي. يقول ابن عطية إن المرأة مأمورة بإخفاء زينتها ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة الحركة فيما لا بد منه كالوجه والكفين، يقول ابن كثير «وليضربن بخُمُرُهنّ على جيوبهنّ» أي على نحورهن وصدورهن لمخالفة نساء الجاهلية. وليس هناك أمر بتغطية وجه المرأة أو منعها من العمل وكفّاها ليسا بعورة على المذاهب الإسلامية وكتب الفقه والسيرة تؤيّد أن وجه المرأة يجوز إظهاره أمام الغرباء حتى يستطعن أن يمارسن حقهن في أعمال الحياة. وقد سبق العبيكان الشيخ السدلان عندما أيّد الاختلاط وطالب بعدم المبالغة في العزل بين الرجال والنساء وأن الحاجة تستدعي الاختلاط في القطاعات الصحية وأسماه بالاختلاط النظيف.
فالاختلاط لم يحرّمه الإسلام وإنما حرّم الخلوة ولا يوجد دليل واحد من واقع الدين يحرّم الاختلاط سواء بلفظه أو مدلوله أو يدلّل بحادثة أن الرسول حرّم الاختلاط. فالمرأة كانت تختلط مع الرجل في مجتمع المدينة ومكة وتخرج لتعمل وتجاهد وتدافع عن ثغور الإسلام وتركب البحر دون اعتراض بل وبمباركة من رسول الله، وللإمام النووي أن المشهور جواز خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالباً لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك، وذكر ابن عابدين أن الخلوة المحرّمة بالأجنبية تنتفي بوجود محرم معها أو امرأة ثقة قادرة، كما أباح الشارع انفراد رجل بامرأة مع وجود الناس بحيث لا تحتجب أشخاصها عنهم بل بحيث لا يسمعون كلامها. وهذا ما هو حاصل في مكان عمل المرأة بجانب زميلها الرجل. وعلينا ألا نقف حجر عثرة للاستفادة من بنات الوطن واستثمار تعليمهن في ما يعود عليه بالخير، وما قرّره الشرع لا تستطيع أميمة أن تهدمه.
najeeb@yamanie.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 148 مسافة ثم الرسالة