قصائد الحميدي الثقفي شموخ يحارب الزعيق
رؤية : محمد مهاوش الظفيري
الشموخ في قصائد الحميدي الثقفي له وجه آخر حيث إنه لا يكتب القصيدة بطريقة الصراخ و(المهايط ) الذي يوحي بسقم قائله سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى الفني للنص . على المستوى الشخصي من خلال الصراخ وتكثيف مفردة " أنا " التي تتكرر في النص الشعري بشكل مقزز ومضحك ومثير للسخرية والشفقة مما يفقد النص قيمته - إذا اعتبرنا جدلاً أن له قيمة - ومثل هذا النوع أو النمط من القصائد لا يساعدنا كمتلقين على احترام قائل هذا النص . وعلى المستوى الفني من خلال الإتيان بمعانٍ هشة وصور باهتة وإقحام مفردات متنافرة أو معادة ومكررة ، لا تدل إلا على ضحالة هذا الشاعر ومدى ثقافته المتدنية. مع العلم أن الصراخ الذي انتقدناه وهو صراخ الصوت ، يدمر القصيدة ويقضي عليها قبل أن نقرأ أو نسمع هذه القصيدة أو تلك ، غير أننا بحاجة إلى صراخ من نوع آخر ، إننا بحاجة إلى صراخ نفسي ومعنوي يزلزلنا ويقتلعنا من جذورنا ويعيد تشكيلنا من جديد ، أو يتركنا مذبذبين أو مشتتين إلى إشعار آخر .
يقول الحميدي الثقفي
اكتـب عـزاي إن تعقبـت السـواد وراح بـي
دربٍ طويل من العطش بيـن الشفـاه وكاسهـا
واكتب عزاي إني بأصل ... لو دربي أكملها حبي
وادخل من أبواب المـدن ريـح تـدق أجراسهـا
هنا يظهر الصراخ ... صراخ النفس والضمير ... صراخ الإنسان ... هنا يكمن الإحساس بالشموخ والتعالي ... الشعور بالعزة والكرامة لا الغرور .
هنا يصر الشاعر على أن يكون ... أن يتحدث ويتكلم مهما كانت الموانع والسدود " لو دربى أكملها حبي ) وينطلق بقوة هائلة انتشارية ليقتلع الأبواب والمدن .
الريح حسب التعابير القرآنية ترمز للعذاب والاقتلاع ، فيها عذب الله بعض الأمم السابقة ، وهى عكس الرياح التي ترمز للخصب والخير والتعاون والإخاء والألفة ، إلا أن الشاعر قد مزج بين المعنيين أو الرمزين على أدق تعبير - رمز العنف والسلام - وذلك من خلال استحضاره لمفردة " برق " الموحية بالمطر وهو رمز الخصب والنماء ، والتي جاءت فيما بعد ، في البيت التالي لهذين البيتين من قصيدة الشاعر .
برق يتعرج في كهوف المعدن / الرمـل الغبـى
فوق المرايا ... فى القرايا ... فى الوجوه وناسها
هنا امتزجت الريح بالرياح أو الرياح بالريح ، عن طريق قوة الربط " برق " الموحية بالمطر ، وهو رمز الخصب والنماء . فهذه القدرة على المزج بين الدلالتين منحت الشاعر قوة انتشارية انسابت وتخلخلت بين الزوايا والكهوف والأمكنة ، وبين قسمات الوجوه وضمائر الناس وأجسادهم .
جتني مع الريح غيمة وارحلت غيمة
ما كل غيمة حملها الريح تغرقنـي
أموت عطشان ظامي والمطر ديمـة
وارحل وأنا ما خضعت لغير خالقني
تتجلى شخصية الشاعر في هذين البيتين . إنها شخصية قائمة على التميز والتفرد ... فهو يستثنى وجوده عن الآخرين ، لأنه ليس كغيره من الناس . فهذا الجنون ، وهذا العنفوان الصادق الشامخ على مسميات الأشياء من حوله في الطبيعة بما فيها المطر ، وما يوحى إليه من دلالات الخصب والنماء تنم عن حالة من الشموخ قد تكون مفتعلة أو سعى الشاعر بسذاجة إلى تصنعها غير أنه عندما وضع هذا الشموخ يدور في إطار معين أو يتحرك عبر أفق يمكن السيطرة عليه ، فهو لم يطلق العنان لنفسه تتخبط يميناً وشمالاً حيث إنه يتضاءل أمام خالقه ، وهنا يتجلى شموخه ويبدو أكثر شموخاً مما سبق ، سواء في ذات نفسه أو في عيون الآخرين .
استثني أمي وأبوي أخضع لهم شيمة
على رضاهم جناح الذل يسرقنـي
وهنا يتجلى خضوع آخر ، واستثناء من نوع خاص ... إنه خضوع للبشر وهما الوالدان ، اللذان منحاه الحياة ، فهو يخضع لهما انطلاقاً من حقهما بالعرفان والفضل بدورهما في الحياة معه.
إيه وتعطروا دمي... خجل وانكساف
مثلما البحر يتعطر بـدم الغـروب
ينفجر الشاعر في وجوه المحيطين من حوله ، وهم يمتصون دمه في غيابه عن طريق النيل منه ، وذلك عن طريق كلمتي " خجل و انكساف " فهم لا يجاهرونه بعيوبه ولا يستطيعون مواجهته ، وفي هذا السلوك شموخ له وانحطاط لهم . غير أن هذا الحديث عنه ، ورغم أنه يحمل في طياته علامات الذل والتصاغر لخصومه كما أوضحنا إلا أن الشاعر كان له رأي آخر ، أو على أدق تعبير حاول فلسفة هذا الوضع الذي صادفه ، حيث أكسب هذا الحديث هؤلاء الناس نوعاً من الشاعرية والسفر إلى فضاءات المجهول وذلك عن طريق التقاء الأفق بالصحراء ، والتي استعاض عنها الشاعر بكلمة " البحر " وهكذا يبدو التوحد والالتقاء بين اتساع البحر وأبدية السماء.
إن هذا الحديث عن الشاعر من قبل الآخرين ، منح هؤلاء الناس كما يبدو لي قدراً من السمو والشموخ والتباهي ، والشاعرية الفذة التي تعجز عن وصفها ريشة الفنان ، لأن ذات الشاعر وموهبته الخلاقة مادة نقية وعظيمة لديها الاستطاعة على قلب موازين الأشياء وإضفاء حقائق غير التي تكون.
تعودت أموت بصدق وارحل بلا تعليق
كفاني أحس بلذة الموت فـي أوراقـي
قال بدر شاكر السياب :
" إن موتي انتصار "
فموت السياب حركة انفعالية إلى الأمام . والشاعر الحميدي الثقفي ليس بعيداً عن هذا الفهم ، غير أن انغماس السياب في صخب الجماهير يخالف انغماس الثقفي في صمت الأوراق .