ترك جدة القديمة من أجل تبوك
ضابط مشروع الإنقاذلم يجد تفسيراً لما يحدث في المنطقة التاريخية
إعداد: محمد الهتار تصوير: محمد باكراع - محمد الزهراني
لأننا نتحدث هنا عن مبان قديمة ذات تاريخ كان من الطبيعي أن نسأل الذين عاصروا بدايات الاهتمام بهذه المنطقة وكيف وجدوها في ذلك الوقت وكم كان عددها وللحصول على تلك الإجابات سألنا المهندس عمرو درويش وكيل أمين جدة لشؤون الخدمات سابقا الذي أكد أن جدة القديمة وهي المنطقة التي كانت بداخل السور .
لأن بيوت جدة غنية بطرازها المعماري فقد شعر أمين المحافظة في ذلك الوقت المهندس محمد سعيد فارسي بالحاجة إلى وضع دراسات علمية للمنطقة التاريخية بهدف المحافظة عليها فتعاقدت الأمانة مع شركة استشارية بريطانية متخصصة لذلك الغرض وتشرفت يومها بان عينت كضابط ارتباط للمشروع ومشارك في الدراسة التي بينت أن حالة المباني في ذلك الوقت بحسب الفئات المشار إليها في الدراسة تعتبر جيدة إلا أن المنطقة ككل لم تكن بحالة مرضية وقامت الدراسة بقسم منطقة الدراسة وهي الواقعة داخل شارع الملك عبدالعزيز الدائري بالإضافة للمنطقة الغربية لها حتى البحر إلى 39 منطقة فرعية ليسهل أعمال الرفع المساحي والتوصيف وتمت الدراسات على ثلاث مراحل .
• المرحلة الأولى خصصت لأعمال المسح والبدائل المتاحة.
• المرحلة الثانية لوضع التصميم الحضري.
• المرحلة الثالثة لإسداء المشورة في مراقبة حركة التطوير العمراني.
وبنهاية المرحلة الأولى تم رصد أولى للمباني القديمة التي يمكن أن تخضع لمعايير التقييم الأثرية وبلغ عددها في ذلك الوقت 797 مبنىً .
بعدها انتقلنا إلى المرحلة الثانية من خلال دراسات علمية مع الأخذ في الاعتبار للمتغيرات التي كانت تحدث أحيانا في ذلك الوقت وانتهت هذه المرحلة برصد وتصنيف 537 مبنىً اثريا قسمت إلى ثلاث فئات .
• الفئة الأولى ( أ ) كان عددها 58 مبنى وهي المباني ذات الأهمية على مستوى الدولة.
• الفئة الثانية ( ب ) بلغ عددها236 مبنى وهي المباني ذات الأهمية على مستوى الإقليم.
• الفئة الثالثة ( ج ) وهذه الفئة بلغ عدد مبانيها 243 مبنى وهي من المباني ذات الأهمية على المستوى المحلي.
وبعد أن انتهينا من هذا التصنيف الحقنا في الدراسة ميثاق البندقية للمحافظة على المواقع والنصب التاريخية وتجديدها واتفاقيات وتوصيات الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو ) للاسترشاد بها في أهمية المحافظة على المناطق التاريخية.
توصية الاستشاري
وبنهاية هذه الدراسة أوصى الاستشاري بإنشاء فرع بلدية معني بهذه المنطقة فقط لضمان تنفيذ الدراسة وقد تشرفت بان أكون أول رئيس لفرع بلدية جدة التاريخية وكانت حدودها في ذلك الوقت هي نفس حدود الدراسة ( داخل شارع الملك عبدالعزيز الدائري بالإضافة للمنطقة الغربية لها حتى البحر ) لكن هذه المرة أضيفت إليها المنطقة الواقعة شمال غرب ميدان البيعة
( البغدادية الغربية ) التي يحدها من الشمال شارع المدارس وكان الهدف من إضافة هذا الجزء للفرع باعتبارها منطقة لم يتم تطويرها بعد في ذلك الزمن خاصة أنها تعتبر المدخل الرئيسي للمنطقة وبدأنا في التنفيذ وكانت أول مراحله هو تجميل المنطقة بأعمال التبليط والإنارة لكافة الشوارع والممرات بالأحجار الطبيعية
( البازلت ) وأعمدة الإنارة على الطراز القديم والذي يأخذ نفس شكل الفوانيس القديمة المستخدمة في القدم وهي أو مراحل التحفيز لأصحاب العقارات حتى يعتنوا بمنشآتهم خاصة ان الدراسة كانت قد نصت على ألا يسمح بإزالة أو إدخال تعديلات على تلك المباني المصنفة لمتابعة ذلك وتنفيذه وأعطت الصلاحية للأمانة بفرض غرامات عالية على من يدخل أي تعديلات عليها بل وأعطت للبلدية الحق بتوجيه أصحابها لترميم المباني التي تتعرض للخطر فإذا لم يلتزم أصحابها تقوم البلدية بالترميم وتعود على أصحابها بالتكلفة وكان يفترض في ذلك الوقت أن يتم اعتماد مبالغ مالية لمساعدة أصحاب تلك المباني بنسبة من تكلفة الترميم تصرف لهم على فترات ولكن هذا الجزء لم ينفذ وقد تابعت تنفيذ أعمال التجميل لمدة تزيد قليلا عن السنة ثم انتقلت بعدها للعمل كرئيس لبلدية منطقة تبوك.
تدارك الخطأ
انتهت علاقتي بتلك المنطقة التي لا استطيع أن أجد تفسيرا لما يحدث فيها الآن في ظل ما اعلمه عن المنطقة أنها تلقى اهتماما خاصا ولكن استطيع أن استنتج أن احد أهم الأسباب التي أضرت بالمنطقة التاريخية هو توسيع النطاق الجغرافي لعمل بلدية البلد فقد تم توسعة نطاقها لأكثر من عشرة أضعاف المساحة ! وهي لمناطق ليس لها قيمة تاريخية ! مما شتت عمل المسؤولين في فرع البلدية وجعلتهم ينشغلون بالمشاكل الجديدة بدلا من المحافظة على المنطقة التاريخية وقد تداركت الأمانة هذا الخطأ لاحقا بأن أنشأت إدارة مختصة معنية بالمحافظة على المنطقة التاريخية وأوكلت عملها لأحد أبناء جدة هو المهندس سامي نوار الذي حاول جاهدا المحافظة على المنطقة التاريخية طيلة وجوده فيها حسب الإمكانات المتاحة واعتقد أن احد الحلول للمحافظة على ما بقى من هذا التاريخ هو ما طرحته الأمانة مؤخرا بإنشاء شركة تعني بتطوير المنطقة ولكني في نفس الوقت لا اتفق معها في الأسلوب حيث ترغب الشركة بحسب معلوماتي في إدخال جميع الملاك كمؤسسين في الشركة بإدخال عقاراتهم كأصول ثابتة في الشركة كل بحسب القيمة التقديرية لعقاره وتقدر القيمة لهذه العقارات من قبل لجنة التقديرات دون السماح لأي صاحب عقار من التصرف بعقاره وهو ما لا أجده مناسبا لظروف الإرث والوقف المعروف في المنطقة لذلك.
الحل في الهيئة
أرى أن احد الحلول البديلة لهذه المشكلة هو إيجاد هيئة استشارية تقوم بوضع دراسات وتصميمات لما يجب أن تكون عليه استعمالات المباني وطرق ترميمها بطريقة علمية متخصصة على أن تتحمل الأمانة تكاليف تلك الدراسة وتعود بتكاليفها على أصحاب المباني كل حسب ما يمثله مساحة مبناه من إجمالي المساحات المدروسة مع تحمل الأمانة لجزء من التكلفة يمثل مساحة ما تملكه الأمانة من مساحة في الشوارع والساحات على أن يلزم الملاك بتنفيذ تلك التوصيات من قبل شركة متخصصة في ترميمات المباني الأثرية وعلى أن تساهم الأمانة أيضا بجزء من التكلفة كما هو متبع في الدول الأوروبية التي بها مناطق أثرية مطلوب المحافظة عليها فالمطلوب هو سرعة التنفيذ حفاظا على ما تبقى من مبان وإعادة إنشاء ما دمر بنفس الطراز وبنفس المواد السابقة مع تمكين الملاك من التصرف في عقاراتهم وفق النظام والضوابط الموضوعة فليس من العدل إيقاف التراخيص في المنطقة لفترة طويلة ولحين الانتهاء من دراسة البدائل خاصة ان أمين جدة الحالي المهندس عادل فقيه هو رجل أعمال ويعلم قيمة الوقت فهذا أمر في منتهى الأهمية خاصة ان الأمانة في الفترة الأخيرة قد أهملت المنطقة التاريخية وتسبب ذلك في تكسير وإزالة البلاط من كثير من الساحات والممرات نتيجة لتمديدات في الخدمات وغيرها دون إرجاع الأمر إلى ما كان عليه ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحل بل أن كثيراً من أعمدة الإنارة باتت مكسرة وغير مضاءة وهذا أمر محزن لان فيه ضياعا لجهد السابقين وفي نفس الوقت هو إهدار للمال العام.