المطاف بدون جوٍّ متوتر
تصوَّر لو أن شخصا أعجميا وقف في عرض الطريق ببلد عربي في شارع يموج بازدحام المارة وبيده جواله المفتوح وهو يصرخ بعالي صوته ونزقه على الناس بلغته الأعجمية بالأوامر التي يريدهم أن يتبعوها، فهل سيرون فيه إلا شخصا مزعجا يعترض الطريق ويصرخ بشيء غير مفهوم ويرون سلوكه سوء معاملة؟! خاصة أنه عندما يمر به العجزة والمرضى والمحتضرون المحمولون الذين يمرون ربما مرورهم الأخير في هذا المكان، وبدل التعاطف والمواساة والمساعدة يضاعف صراخه عليهم ويضرب كراسيهم ويدفعها ويصرخ على من يقود كراسيهم لتغيير مسارهم وسط موج المزدحمين.. هذه الصورة - وللأسف - هي الحال التي عليها ساحة المطاف في الحرم المكي، فرغم كثرة الانتقادات المثارة على سلبيات أسلوب تعامل المشرفين في ساحة المطاف لم يطرأ تطور إيجابي بل زاد الوضع تأزماً مع إجراء جديد لا يبدو مبنيا على منظور علمي أو دراسة ميدانية، وهو وقوف المشرفين وسط المطاف عكس اتجاه الطواف لتصيد أصحاب الكراسي المتحركة والصراخ عليهم بنزق لكي يخرجوا إلى الحدود الخارجية للمطاف لكي لا يضايقوا الطائفين، بينما كثير من الطائفين يفضلون التصدق بجرح وتورم أقدامهم من ارتطام طرف كرسي أم عاجزة أو مريض محتضر جاء لآخر زيارة لبيت الله على أن تنكسر هذه القلوب المسكينة بالمعاملة القاسية، فهناك كيميائية نفس حساسة للغاية تكون لدى من هو في مثل تلك الحال الهشَّة من الضعف والعجز ولدى من يرعاه، وعندما يتم التعامل مع الشخص الضعيف الجالس على كرسيه بتلك الطريقة يشعر مرافقه بالاستفزاز الشخصي، لذلك تكاد تكون حالة من كل أربع من أصحاب الكراسي المتحركة تحصل مشادّة بين المشرف والمرافق يتطور إلى تهديد وتعنيف من المشرف للمرافق واستدعاء لرجال الأمن، وضرر التجمهر حول نقاط الاشتباك المتكررة هذه، وضرر التأذي المعنوي العميق لرؤية هذا التعامل القاسي مع هذه الفئة الهشة وجو التوتر الذي يتكهرب به المطاف تفوق بأضعاف ضرر ترك الأمور على طبيعتها حتى يتم إقرار إجراء أكثر علمية ومراعاة لقدسية المكان. أما العنصر الآخر الذي يعتبر الأكثر إشاعة لجو التوتر وتسببا في المعاملة القاسية التي تصل لحد دفع النساء وجرهن، هو تحريك المصلين والمتوقفين في أماكن غير مناسبة في ساحة المطاف، وهذه المشكلة يمكن حلها بوضع لافتات في أماكن مناسبة تتضمن التعليمات المطلوبة، وتعيين أشخاص يتمتعون بلغات الزوار الشائعة، فالصراخ بصوت أعلى وأكثر نزقا على من لا يتقن العربية لا يجعله يفهم أكثر ما يحاول المشرف قوله! الوجود في الحرم وفي المطاف تحديدا يجب أن يكون فسحة لحال نفسية وروحية تحكمها السكينة، لذلك فالذين يعملون في مجال الإشراف في بيت الله يجب أن يتوفر لديهم استعداد وأهلية خاصة ليس فقط للتعامل مع ضغوط هذه الوظيفة إنما ليكونوا كما هو حال المشرفين في كل الفعاليات التي تتطلب توظيف (علم السيطرة على الحشود) في إطار ثقافي أو روحي، يكونوا غير ملحوظين، حتى لا يعكر وجودهم الجو الذي يفترض أنهم موجودن لحمايته.
bushra.sbe@gmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 111 مسافة ثم الرسالة