د. صدقة يحي فاضل
إدارة «تدمير شامل»..؟!
عجيب، بالفعل، أمر هذه الولايات المتحدة. لقد عاقبت أحد رؤسائها السابقين (ريتشارد نيكسون) على كذبة (صغيرة – نسبيا) بإقالته من منصبه، قبل أكثر من سنتين من انتهاء فترة رئاسته الثانية، إثر فضيحة (ووتر جيت) الشهيرة، عام 1974م. ولكنها أعادت انتخاب أحد أفشل ساسة القرنين العشرين والواحد والعشرين، رئيساً لها، وللمرة الثانية.. وكأنها تريد أن تكافئه على خداعه المستمر، وسوء إدارته، وتوجهه الأيديولوجي المفزع – بإبقائه أربع سنوات أخرى، على رأس السلطة التنفيذية للحكومة الأمريكية. لكنه التوجه اليميني (المتشدد) ذو النفوذ الهائل، في المجتمع الأمريكي المعاصر.
لقد (فاز) هذا الرئيس بانتخابات الرئاسة لعام 2000م بطريقة ما زالت تثير الكثير من علامات الاستفهام (ما حدث في ولاية فلوريدا). و(فاز) مرة أخرى بنفس الأسلوب (تقريبا) بدليل ما تعلق بعد أصوات ولاية (أوهايو). ومنذ مجيئه، مع فريقه المؤدلج.. ذي التوجهات الصهيونية – المسيحية المتطرفة، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة – والعالم – مقبلون على أحداث جسام غير معهودة. فدعاة بناء (الإمبراطورية)، وبسط الهيمنة الأمريكية على الكون، وجدوا في هذا الرئيس وفريقه، ضالتهم المنشودة، التي ستحقق أهدافهم.. دونما اعتبار لمدى سلامة وأخلاقية الـ(وسائل).. وكان أن شهد العالم، ومنطقتنا بالذات، المآسي المعروفة.
* * *
وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لتقدم لهؤلاء (ذريعة).. - وكأنهم كانوا ينتظرونها بشوق - لاتخاذ ما اتخذوه من سياسات داخلية وخارجية فاشية، في معظمها. وقد كان العالمان العربي والإسلامي – وما زالا – أكثر المتضررين من هذه السياسات، كما هو معروف؛ اُحتلت دولتان (أفغانستان والعراق) وقتل الآلاف من سكانهما المدنيين وغيرهم، ودمرتا بشكل يكاد أن يكون تاماً.. بحيث أصبح العيش في أي منهما كالعيش في جحيم من الموت والدمار والفوضى والتخلف. فقد أعادت الصواريخ والطائرات والدبابات الأمريكية (وما نجم عن الاحتلال من فوضى متعمدة، وغير متعمدة) العراق، خاصة، إلى مرحلة العصور الوسطى المظلمة. وبموجب الإحصاءات الأمريكية: تم - حتى الآن - مقتل أكثر من 600 ألف عسكري عراقي.. كما قتل الأمريكيون أكثر من 200 ألف مدني عراقي، ناهيك عن تدمير معظم ما تبقى من بنية تحتية في أرض الرافدين.
وجرى تشريد أكثر من ثلاثة ملايين عراقي، داخل وطنهم وخارجه. وارتكبت أبشع جرائم القتل والاغتصاب والسرقة، ومورست كل وسائل القهر، والإرهاب. وأشعل فتيل صراع طائفي قد يقضي على ما تبقى من بشر وحجر. كما انتشرت الأمراض، والفقر والعوز، وضرب الجهل بمعوله أجيالا من عراقيي المستقبل، في بلد كان أحد أكبر منارات العلم والثقافة بالمنطقة.
* * *
أما في فلسطين المغتصبة، فقد أطلقوا يد الصهاينة السفاحين.. ليعيثوا في ما تبقى من فلسطين وشعبها قتلاً وتدميراً، لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلا. والعجيب أنهم يتباكون على ما حصل في (دارفور)، وغيرها، من كوارث.. سببها نزاعات عرقية محلية؟! كما يتباكون على مقتل حوالى أربعة آلاف جندى أمريكي غازٍ، دون حتى ولو إشارة بسيطة لما سببه هؤلاء للعراقيين من قتل وتدمير. وفى ذلك وحده إهانة عنصرية، لا يرضاها أي حر أو شريف في هذا العالم.
هذا إضافة إلى قتل وجرح واعتقال وإرهاب آلاف من العرب والمسلمين، في عقر دورهم، وفي أي مكان يتواجدون فيه، وما يحاولون فرضه من (تغييرات) - مفصلة على مقاس مصالحهم المعروفة - على كل البلاد العربية والإسلامية، تحت مسمى (الإصلاح). إن آخر ما يفكرون فيه هو: إصلاح أوضاع هذه الأمة – كما ينبغي أن يكون عليه الإصلاح. فذلك لن يصبَّ في جرابهم.. لذا، فإن الإصلاح الذي يدعون إليه هو إصلاح من نوع خاص جداً، بل بالغ الخصوصية.
إن أدق ما توصف به هذه الإدارة، من قبل كثير من المراقبين، بمن فيهم بعض الأمريكيين، التي تقول إنها تحارب انتشار أسلحة الدمار الشامل، هو أنها: إدارة تدمير شامل، كما يشير عنوان هذا المقال. و (إدارة خداع شامل) كما سيشير المقال القادم، بإذن الله.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 121 مسافة ثم الرسالة