أفــيــاء
مفارقات
من المفارقات التي تبعث على الابتسام الساخر أن تجد أحياناً بعضاً من الكتاب يكثرون من الكتابة في الحث على إحياء التفكير العلمي وإعمال العقل واتباع الدقة أثناء العمل والأمانة في أداء الواجب ..إلخ قائمة القيم الأخلاقية المطلوب تمثلها في الفرد من أجل النهوض بالمجتمع والأمة.
لكنهم على مستوى التطبيق على الذات يبدون بعيدين عما يوصون به ويحثون عليه، فهم مثلاً لا يمانعون في أن يكتبوا أحياناً في مواضيع، معلوماتهم عنها محدودة، ومعرفتهم بها سطحية، ومصادرهم عنها غير موثوقة، فتأتي كتابتهم بعيدة عن الأمانة خالية من الدقة ناهيك عن مسألة الخلو من التفكير العلمي في ما احتوت عليه.
أكثر من مرة قرأت كلاماً لكاتب يتحدث عن بعد، يلوم مديرة مدرسة للبنات، أو مسؤولة في مؤسسة نسائية، أو يصف حادثة وقعت داخل قصر أفراح أو مشغل أو غيرها من أماكن محظور ارتيادها على الرجال، يتحدث عن بعد بلغة المطمئن إلى صحة كلامه، مع أنه يعلم أن كل ما لديه من المعرفة عنه لا يزيد عن ما نقلته إليه فلانة وفلانة. وأكثر من مرة قرأت كلاماً لكاتبة حول ما يجري من تلكؤ وتأخر في انجاز المعاملات أو تسيب العاملين في مؤسسة رجالية أو غير ذلك من المشكلات الداخلية، وكل معرفتها عن ذلك قائمة على ما قيل لها، فما شهدت وما لمست شيئاً غير ذلك المنقول إليها.
وقياساً على هذا، ما نقرأه من حين إلى آخر من كتابات للبعض في الطب أو التغذية أو التربية أو الاقتصاد أو السياسة أو غيرها، حيث يقدم الكاتب على الحديث حولها بصفة الخبير، غير معترف أن ما في جعبته عنها من المعرفة قد لا يؤهله للكتابة، فما عنده لا يعدو أن يكون معلومات غير مستوفاة وفهما مبهما ومشوشا، لكنه لا يرى ذلك فيتجرأ ليتحدث حديث العالم المحيط بما يقول، وينطلق متحمساً ليثخن الجراح في جسد من أو ما انتقد، أما إن بدا له طرح بعض المقترحات، فإنه نادراً ما يعتريه تشكك في متانتها أو احتمال عدم ملاءمتها، فهي عنده دائماً الصواب الأكمل.
ومن الواضح أن ما يقع فيه أمثال هؤلاء الكتاب ليس سوى ثمرة عدم تطبيق ما يوصون به من إعمال التفكير والتأمل وتحري الدقة والأمانة.
أن يأخذ الكاتب ينتقد ويقوم ويقترح، بله يصدر أحكاماً، وكل ما في جعبته خبر وصل إليه، أو حديث بلغة أو كلام سطحي عابر قرأه، فينطلق من خلال ذلك يبني رأيه ويصدر أحكامه غير متثبت ولا متتبع للحقيقة أو حريص على الاستيثاق والإحاطة الشاملة بما يكتب عنه، إنما هو في ذلك يخالف النهج العلمي الذي ينادي به، ويخرج على الدقة التي يدعو إلى توخيها.
عدم الحرص على استيفاء المعرفة والدقة والاستيثاق فيما يكتبه الكاتبون، ليس دليلاً على عدم المبالاة لدى الكاتب فحسب، بل هو أيضاً يضر بالعامة الذين عادة يقبلون على قراءة ما يكتب، سواء في الصحف أو في المجلات أو الكتب أو غير ذلك من المطبوعات، فيأخذونه غالباً على علاته، ظناً منهم أنه الصواب، فالقارئون أغلبهم من الناشئة المحدودي التعليم والبسطاء ممن لا يجدون لهم مصدراً معرفياً وتثقيفياً سوى ما ينشر عبر الصحف والمجلات والكتب المبسطة، وحين يقرأون كلاماً غير صحيح لا يتبينون عدم صحته بل يظنون أنه الحق، وهكذا يسهم الكاتب أحياناً في عملية التجهيل بدلاً من التنوير، فيضل قراءه بدلاً من أن يهديهم.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 160 ثم مسافة ثم الرسالة