فـضـاء
دعوة لنسيان الأحقاد!
سعود الجراد
رواية “مسيو إبراهيم وزهور القرآن” للكاتب إريك إيمانويل شميت قصيرة وممتعة. وحين نحذف مقدمة المترجم محمد سلماوي، تكون الرواية في حدود 65 صفحة من القطع المتوسط. وهي رواية مرسومة بشكل هندسي صارم. وذات تكنيك بسيط ومباشر، وتهدف إلى توصيل رسالة إنسانية بأقل الكلمات والصفحات. بيع من الرواية كما جاء في المقدمة في فرنسا وحدها ( 300 ) ألف نسخة، كما ترجمت إلى ( 20 ) لغة في العالم. ونعلم بأن الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي، وجسد دور ( مسيو إبراهيم ) الفنان المصري الكبير عمر الشريف، والذي حصل على جائزة معرض فرانكفورت في التقريب بين الشعوب لدوره الجميل في ذلك الفيلم.. حينما تصل إلى آخر حرف في عمل أدبي كهذا، لابد أن تتساءل مع تو دوروف:ـ (( ما هي القصديـة النهائية للأعمال الأدبية التي نراها جديرة بالدراسة؟ فمعرفة الأدب ليست غاية لذاتها وإنما إحدى السبل الأكيدة التي تقود إلى اكتمال كل إنسان)) !
رسالة الرواية كانت في منتهى الوضوح: دعوة للحوار والتسامح. دعوة للحب الإنساني. دعوة لتحطيم الموانع المفتعلة والوهمية بين الإنسان وأخيه الإنسان. وهذه الموانع أحيانا تكون جنسية وأحيانا عمرية وأحيانا إقليمية وأحيانا وهذه هي أخطرها: بسبب الأفكار المسبقة والمرجعيات الدينية التي يؤمن بها إنسان ومعمر هذا الكون هنا وهناك. الرواية باختصار مخل: عبارة عن قصة حب نشأت بين رجل مسلم عجوز وصبي يهودي، بحكم الجيرة وحاجات الإنسان اليومية والضرورية التي تجعل الواحد يتعايش ويقابل ويحاور الآخر المختلف، فبدأت بسرقات صغيرة وحوارات قصيرة لزوم كسر الجمود ورتابة الحياة التي يعيشها الاثنان، ثم توطدت العلاقة بينهما بشكل أعمق، فقاما بتبادل الخبرات والاستمتاع بالحياة واكتشافها من جديد، ثم انتهت بالتبني وتحريك الماء الراكد في حياة الصديقين، وذلك عن طريق السفر ومحاولة معرفة روح الشرق.. ثم الموت في حضن الأم / الأناضول كأي رحلة وصلت إلى محطتها الأخيرة، ثم عودة الصبي إلى مسقط رأسه ليرث كل شيء يملكه مسيو إبراهيم، يرث الروح والمادة، فيحسم خيار الحياة بروح متسامحة مع الكل: كما حدث مع أمه أخيرا. فالصبي الغاضب على أفراد أسرته الصغيرة بسبب هجرة أمه المبكرة ورحيل والده المفاجئ، وبعد أن امتلأ روحيا، وأصبح ميالا للتسامح ونسيان الأحقاد، ومحاولا البحث عن مبررات لقراراتهم تلك رغم كل كدمات وجروح الروح.. فيقول: إن كل أحقادي بدأت تتلاشى ! في النهاية سيبقى الأدب والفن مع الجمال والحياة والحب والتسامح ومعانقة الآخر. سيبقى ضد تجار الحروب ونظريات التآمر وشعراء الأحقاد. في الأخير، أقول: لا أدب ولا فن حقيقيا يأتي هكذا بلا رؤيا وبلا هدف؟ ربما المعنى عند بعض الكتاب والفنانين الموهوبين لا يحب الحضور السافر!
saudaljarad@hotmail.com