د. طلال صالح بنان
أزمة الديموقراطية ومأزق الديموقراطيين في أمريكا
لم تحسم انتخابات ولاية بنسيلفانيا التمهيدية لاختيار مرشح الرئاسة الديموقراطي التي جرت يوم الثلاثاء الماضي، لصالح أيٍ من المرشحَيْن، لقد أبقت نتيجة تلك الانتخابات السينتور هيلاري كلينتون في سباق حملة الترشح للرئاسة.. وقَرّبت أكثر مصير السينتور باراك أوباما من مساومات وابتزاز المندوبين الكبار في الحزب الديموقراطي.. وربما أخرّت حسم المعركة بين الناخِبَين، حتى مؤتمر الحزب القادم في دينفر بولاية كولاردو أواخر شهر أغسطس القادم.
وضع يعكس أزمة غير تقليدية لنموذج الديموقراطية الأمريكية.. ومأزقاً ليس أقل إحراجاً للنظام الحزبي الأمريكي ولمحترفي السياسة الأمريكيين.. وكذا، للهيئة الناخبة الأمريكية، بصورة أوسع.
ليس من باب الجدل الأكاديمي القول إن النظام السياسي الأمريكي، في ما يخص تجنيد واختيار الزعامات السياسية، هو أقرب لمفهوم الديموقراطية الشعبية، من ذلك السائد في مجتمعات الديموقراطيات الغربية العريقة في أوروبا. في النهاية: تبرز الزعامات السياسية في التجربة الديموقراطية الأمريكية، من القاعدة، مع أقل تأثير ممكن للمؤسسات الحزبية النخبوية.
هذه الميزة البنيوية للنظام السياسي الأمريكي سرعان ما تتحول لمشكلة سياسية عويصة في مراحل التصفيات المعقدة لاختيار المرشحين، بالإضافة إلى المجازفة بالإتيان بزعامات سياسية مغمورة رأساً إلى سدّة الحكم، تكاد تكون بدون تجربة سياسية سابقة. في نصف القرن الماضي توالى على البيت الأبيض أكثر من عشرة رؤساء، لا يذكر بينهم من ذوي الخبرة السياسية العريقة، على مستوى الحكومة الاتحادية سوى اثنين (الرئيس ريتشارد نيكسون والرئيس جورج بوش الأب). هذه المشكلة تتجلى بصورة أكبر على حملة المرشحين الديموقراطيين الحاليين هيلاري كلينتون وباراك أوباما؛ المسز كلينتون تدعي الخبرة، وقد لا تتورع في اختلاق المواقف الكاذبة.. بينما السينتور أوباما يشق طريقه بقوة تحت شعار التغيير، ضد مصالح الساسة المحترفين، من أجل قلب مؤسسات السلطة ورموزها في واشنطن رأساً على عقب.
هنا تكمن مشكلة السينتور أوباما العويصة.. هو يهاجم النخبة، بينما يقترب أكثر من تحديد مصيره السياسي بيد النخبة من حزبه (مجموعة المندوبين الكبار)، التي ما زالت المسز كلينتون تحظى بتأييد عددٍ كبير منهم، منذ البداية، بينما يفتر حماس القاعدة الانتخابية العريضة التي يعتمد السينتور أوباما على تأييدها السياسي ودعمها المادي، كما حدث في انتخابات أوهايو وبنسيلفانيا الأخيرة. بالإضافة إلى أن المراحل الأخيرة من الانتخابات التمهيدية شهدت عودةً لعصبيات العرق والجنس والدين والسن، في المجتمع الأمريكي، ما كانت تظهر في بداية هذه الانتخابات، التي ربما تكون أهم عوامل ما نشهده من مراجعة هذا التحمس المبكر لأوباما من قبل الشباب والليبراليين، وحتى النساء.
يعزز من مظاهر المؤشرات السلبية في الديموقراطية الأمريكية ظهور سلوكيات ونوازع غير منضبطة في كلا الحزبين.. الجمهوريون من أجل الفوز في انتخابات نوفمبر القادمة، لا يتورعون عن التدخل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي لصالح المرشح الأضعف، من وجهة نظرهم (المسز كلينتون )، بدفع الناخبين الجمهوريين التصويت لها في الانتخابات التمهيدية، كما حدث مؤخراً في انتخابات أوهايو وبنسيلفانيا. بالإضافة إلى وصول معسكر السيدة كلينتون حد اليأس من الفوز في الانتخابات التمهيدية، المطالبة باحتساب الانتخابات التمهيدية في كلٍ من ولايتي فلوريدا وميتشجان، التي سبق للحزب أن عاقبهما بعدم إشراكهما في هذه الانتخابات لأن الولايتين اختارتا تاريخاً لإجراء الانتخابات التمهيدية بهما غير ذلك الذي سبق للحزب أن حدده.. وكان هذا باتفاق كل المرشحين، آنذاك، بمن فيهم السيدة كلينتون..!؟ ولا يفوتنا أن نذكر هنا، محاولات بعض زعماء الحزب الديموقراطي العتاة، مثل السينتور جوزيف ليبرلمان، التمحك لدى المرشح الجمهوري السينتور ماكين، طمعاً في احتمال اختيار الأخير له مرشحاً مرافقاً على تذكرة نائب الرئيس في انتخابات نوفمبر القادمة..!؟
هناك مأزق آخر للديموقراطيين، إذا تم بالفعل تحديد المرشح الديموقراطي بالرئاسة من قبل المندوبين الكبار. هذا قد يدفع الهيئة الناخبة للديموقراطيين ألا تصوت لهذا المرشح.. وبالنتيجة: تذهب الرئاسة للمرشح الجمهوري، خاصة إذا ما تجاهل المندوبون الكبار في الحزب الديموقراطي حقائق ومعطيات توجه قاعدتهم الانتخابية، وفقاً لمعايير ومحددات الأصوات الشعبية وعدد المندوبين الملتزمين، التي افرزتهم الانتخابات التمهيدية. ولا يجب علينا أن ننسى، هنا: احتمال انفراط عقد الحزب الديموقراطي، من داخله، إذا لم يحصل إجماع على مرشحهم القادم للرئاسة، مما يقوّض الحزب نفسه، ويجعله يلحق بأحزاب عريقة سابقة في التجربة الديموقراطية الأوروبية، مثل حزب الأحرار في بريطانيا.
الديموقراطية الأمريكية في أزمة، تتمثل بصورة واضحة في المحنة التي يمر بها الحزب الديموقراطي.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 154 مسافة ثم الرسالة