إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر
لا يختلف اثنان على أن الواقع الإسلامي يشهد حالة تأزم مستعصٍ تتجلى في كل مفاصله، وأبرزها أزمة الإرهاب، ورغم أن لظاهرة العنف الديني في كل عصر خصوصياتها إلا أن الأصل النفسي المشترك بين زعمائها هو تحديدا ما حذرت منه الآية (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) “أي لست عليهم بمسلط ولا بجبار تحملهم على ما تريد” الطبري. فالحركات الدينية الإرهابية في جميع الأديان سواء أكانت محاكم التفتيش المسيحية أو الخوارج والحركات الإرهابية الإسلامية الحديثة، كلها محرك زعمائها النفسي الأساسي شهوة وهوى الرغبة في السيطرة والتسلط ولو أن مبتدئ الدعوة مثالي، فالدين هو الحجة التي يسوغون بها لأنفسهم ارتكاب أنواع التجاوزات في سبيل إشباع ذلك الهوى، فالأفراد عندما يعطون لأنفسهم الشخصية الاعتبارية للدولة مع افتقارهم لعناصر فرض السيطرة التي تمتلكها الدولة من تحكم بالموارد والخدمات وغيرها، يلجأ الأفراد للإرهاب كوسيلة لفرض سيطرتهم على المجتمع، لأن تأثير الخوف يتجاوز حجم المسبب الموضوعي، والمسألة لا تقتصر فقط على الإرهاب بالسلاح، فهناك إرهاب لا يقل خطرا عن إرهاب إزهاق الأرواح، وهو إرهاب إزهاق الأفق الفكري والثقافي في المجتمع، ولعل من أغرب المفارقات أن نجد من يتغنى بحضارة المسلمين في الأندلس وبغداد الخلافة الإسلامية بينما لا يتيح للمثقفين والمفكرين في عصر الانفتاح العالمي الكبير سعة لكتابة شيء يشبه ما أنتج حينها وما زال يعد من مفاخر المسلمين، فهناك حقيقة جو مكهرب بسوء الظن والنزعة الوقائية العدوانية المتربصة والرغبة في الحفاظ على السيطرة الكاملة على ما لم يعد هناك مجال للسيطرة عليه بقوة الترهيب المادية والمعنوية، لأن الخيارات باتت غير محدودة، وللأسف وكما علق أ.د.يوسف القرضاوي بأن البعض يصفون كل آية في التعامل بالحسنى مع المخالفين “بأنها منسوخة” بما يسمى “آية السيف” وتكلم عدد من العلماء في التطرف في مفهوم الناسخ والمنسوخ بالنسبة لهذه القضية، فاستنكر أ.د.سعود الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود هذا التطرف الذي جعل القائلين به “يقولون بأن آية واحدة ليس هناك حتى اتفاق على تحديدها نسخت حوالي500 آية قرآنية! وهذا رأي الطبري أيضا”. ويا ليت أننا جميعا كحاملين للرسالة الدينية نتأمل في الآيات الهادفة لتكوين السجية النفسية الرشيدة للداعية التي تتماشى مع سنن الله في خلقه (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) يا ليت لو تترك مساحة من السعة النفسية والمعنوية للناس لكي يستشعروا حقيقة الرحمة المهداة وجمال الدين، لماذا صارت الصورة الشائعة ذهنيا عن المسلم هي الصورة السلبية المنفرة المعروفة؟ أرجو أن نواجه الحقيقة ونعترف بمسؤوليتنا عن الواقع، فالرسوم الدنمركية البائسة المسيئة للنبي عليه السلام لا تتضمن نقدا لشخص وسيرة النبي بقدر ما تسقط على صورة النبي الصور النمطية السلبية التي وبأفعال المسلمين باتت مرادفة لاسم الإسلام كالتفجير والإرهاب وامتهان المرأة، وكذلك الحال بالنسبة للفيلم التسجيلي الهولندي البائس (فتنة) فالواقع السلبي للمسلمين هو الذي أعطى المبرر والمادة لمخرجه ليعبر بها عن عنصريته.
bushra.sbe@gmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 111 ثم الرسالة