( الأحد 21/04/1429هـ ) 27/ أبريل/2008  العدد : 2506  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • شؤون محلية
    • اماكن
    • قاع المدينة
    • حوار نت
    • رحلة الايام
    • تحقيقات وأستطلاعات
    • مجتمعنا - حياتنا
  • سوق عكاظ
  • كتاب ومقالات
  • اقتصـاد
    • تقارير
    • الاسهم
    • قضية
    • عقار
    • منوعات
  • أفاق ثقافية
    • الفكر الاسلامي
    • الفنون السبعة
  • سياسة
    • مذكرات
  • عكاظ الرياضية
  • أخبار الحوادث
  • الصفحة الأخيرة
كتاب ومقالات...

شايع بن هذال الوقيان
روح العدالة
قرأتُ عبارةً لأحد الحكماء يقول فيها: “كلما ازدادت قوة الجماعة نقص اهتمامها بتقصير أفرادها”.. وهذه العبارة من السحر المبين الذي يصف حالةً عامةً بكلام موجز، فليس أبلغَ من قولٍ لا تطغى فيه ألفاظُه على معانيه.
شدني إلى هذه العبارة أنها صادقة تماماً، وأودُّ لو أضفتُ إليها شارحاً أو مؤولاً أن هذه الجماعة أو الأمة لا تكون مفرطة الحساسية ضد أي شيء، كما تفعل الأمم الضعيفة الممزقة المتعبة، إنما تتعامل معه كما ينبغي أن يكون؛ فالأمة القوية واثقة من نفسها ومن ثقافتها ومن منجزها الحضاري ومن أبنائها، ولا تخشى على كينونتها وهويتها مما يأتيه أبناؤها أو أعداؤها من توافه الأمور وصغائر الأفعال. ولقد قرأتُ في كتب التاريخ أنَّ الأمة المسيحية الأوروبية في عصور الظلام والانحطاط ـ حكومة وشعباً ـ كانت تعاقبُ بالكبيرة على الصغيرة، وكانت تحرق بالنارِ الساحراتِ واللصوصَ و الملاحدة و(الكفار) وهم آنذاك بالنسبة إلى مسيحيي القرون الوسطى: المسلمون واليهود!
بل إنها أصبحت لا تقوى على التمييز بين الأفعال؛ فالسارق الصغير والقاتل الخطير أصبحا على مرتبة واحدة وعقابهما واحداً ما دامت نهايتهما الموت أو الحرق حياً!
* * *
من المفارقات أنَّ مطلع التنوير الأوروبي والنهضة الإنسانية ـ وقتذاك ـ تُؤَرخ ضمن ما تؤرخ مع نضال المفكر والقانوني (كريستيان توماسيوس) ضد إحراق الساحرات! وهي دعوى قد يراها البعض باطلة، لكنه، رغم مقته للسحر والسحرة، لم يكن ينظر إلى الأمور نظرة شخصية عاطفية، وإنما نظرة قانونية تهدف إلى ضبط الشرائع وتحديد قوانين العقوبات لكيلا يتصرفَ رجال الدين والأباطرة وممثلوهم في حقوق الناس ـ مظلومين كانوا أم ظالمين ـ بالباطل.
لقد كانت أوروبا المسيحية آنذاك أمة تعيسة مهترئة تحسب كلَّ صيحةٍ عليها، وتفزع من كل مخالفٍ لها في العقيدة أو المذهب أو حتى الملبس والمأكل والمشرب فزعاً شديداً. والسبب الوحيد بالطبع هو إدراكها لضعفها وعدم ثقتها بنفسها، ولأنها تعرف من نفسها جيداً ما لا يعرفه أعداؤها. أما الآن فقد اختلف الوضع؛ فحل التسامح محل التعصب، والرضا محل السخط، التعقل بدل الانفعال الأهوج. وأصبح أبناء هذه الأمة مبدعين متميزين لا يركن الواحد منهم في فخاره إلى ماضٍ تليد، ولا يغني لمجدٍ زائف بعيد. فالماضي بالنسبة لهم أصبح شاهداً تاريخياً لنهاية مرحلة عاصفة من كراهية الإنسان لأخيه الإنسان، حيث أصبح الكل فيها عدواً للكل ـ حسب تعبير توماس هوبز ـ كيف لا وهو الجذوة التي أوقدتْ فيهم نيران البغضاء والأحقاد والحروب الطويلة الدامية. لقد حققوا ذواتهم بكل بساطة من خلال القوة: قوة الروح وقوة الحرية وقوة الأخوُّة الإنسانية، وقبل ذلك قوة العدالة الشاملة، وهذا هو سرهم.
* * *
فلنتأمل حالنا نحن العرب ـ وسبيل المقارنة هو أفضل السبل لجلاء حقائق الأمور ـ فهل نحن من القوة والثقة بالنفس بحيث نتغاضى عن تفاهات الأخطاء، وألا نحمّلَها ما لا تحتمل؟! هل نحن من القوة بحيث نكون قادرين، بكل ما في كلمة القدرة من معانٍ، على التسامح؟! ـ التسامح بمعناه الحضاري وليس فقط المسامحة والعفو بمعناهما الضيق؛ التسامح مع المخالف لنا والمغاير لثقافتنا أو لميولنا أو لمذاهبنا. فاختلاف وتباين المجتمعات العربية هو حقيقة لا يمكن الإغضاء عنها.. فهل نحن قادرون على التسامح مع أبناء شعبنا المخالفين لنا؟
قد يقول قائل: إننا متسامحون ونؤمن بالحرية وحقوق المرأة وما إلى ذلك من عبارات أسميتها في مقالٍ سابق (العبارات النموذجية الجاهزة).. وهي العبارات التي نقتبسها، بلا وعي، من معجم الثقافة السائدة وقواميس التربية العامة، دون أن نختبرها ونتأكد من صحتها ومطابقتها للواقع، لكن القول غير الفعل؛ فالتعصب عندنا متفشٍ بشكل مرعب؛ تعصبٌ ديني واجتماعي وقبلي وفئوي، وحتى حزبي.. إذْ انتقلت أمراضنا الثقافية الموروثة إلى دوائر الممارسة الديمقراطية. وفي الحقيقة فهي ممارسة مزيفة وإلا لما سمحت بتسرب مثل هذه الأدواء البغيضة!
* * *
فلنعد إلى (توماسيوس) صاحب الساحرات، هذا الرجل الذي دافع عن الباطل من أجل الحق!.. إنه يثير بعمله هذا تساؤلات حول ممارسات غاضبة وعاطفية نقوم بها تجاه الفاسقين أو العصاة أو المجرمين، فقد اطلعت مرة على مداخلات للجمهور في موضوعٍ عن أحد العمالة الذي ضبط بعملٍ فاحش، في موقع إليكتروني لإحدى صحفنا المحلية، فوجدتُ أن أغلبهم بعيد جدا عن أخلاق توماسيوس ـ وبالتأكيد فهناك أمثلة مضيئة في التاريخ الإنساني أفضل من مثال توماسيوس، بل وفي تاريخنا الإسلامي ـ لكنني وضعتُه هنا من أجل بناء هذا المقال والشيء بالشيء يذكر.
لقد قرأتُ: “أتمنى أن يحرق.. ـ الإعدام قليل بحقه ـ يجب أن يقطع رأسه... إلخ”
لقد نصبوا أنفسهم قضاةً.. وفي الحقيقة فإنهم نصبوا مشاعر الغضب العنيفة البعيدة كل البعد عن الرؤية القانونية المعتدلة، قاضياً يقضي في الناس!
إن عودةً سريعة إلى تاريخ الأمة الإسلامية إبان العصر الذهبي لها ـ العصرين العباسي والأندلسي تحديداً ـ يؤكد بما لا يدع مجالاً للريبة أنّ مقولة الحكيم التي أوردناها في مستهل المقال كانت صادقة تماماً.
* * *
إنني أكتب مقالي هذا وقضية سالم الحريصي وفتاة القطيف وهادي آل مطيف وغيرهم لم تفارق خاطري.
إن المسألة ليست مسألة دفاع عن الباطل.. بل هي دفاع عن القانون وعن العدالة وعن المستقبل؛ عن الحقّ الذي يسعى إليه كل إنسان منصف.

للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 118 ثم الرسالة

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى




مقالات أخرى للكاتب

  • مامعنى أن تكون مثقفاً ؟
  • السقوط في الثرثرة
  • حدود الفكر القومي
  • إشكالية فكر النهضة العربية
  • الموت والعزلة ودواعي التقليد

عناوين كتاب ومقالات

  • الجهات الخمس
    الاختلاط في العمل !
  • زاوية منفرجة
    الأطفال البطاطس/ الكمثرى
  • بعض الحقيقة
    نظام الوكالات الاحتكاري
  • وإنتَ مالك ؟
  • آراء أمريكية نزيهة..؟!
  • بيت العصيد
    الأبقار والحرية
  • مــع الفـجــــر
    جدة.. والإجازة والسياحة
  • «زهراء أباد»!
  • إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر
  • استئجار السيارات الحكومية


شؤون محلية - سوق عكاظ - كتاب ومقالات - اقتصـاد - أفاق ثقافية - سياسة - عكاظ الرياضية - أخبار الحوادث - الصفحة الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000