«السادات أشجع وأنبل وأكرم قائد»!
«السادات أشجع وأنبل وأكرم قائد»...هذا ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر عن الرئيس المصري السابق أثناء زيارته للمنطقة التي شملت عدداً من الدول الإقليمية، والتي نظر لها الكثير من المحللين على أنها شرفية أكثر من أي شيء آخر.
وجهة نظره في السادات تبدو مبررة وفق منطقه الشخصي لأنه نجح إبان فترة رئاسته في مباركة معاهدة السلام المصري - الإسرائيلي المعروفة بمعاهدات كامب ديفيد..
التي تكاد تكون أهم إنجازاته المحدودة على الصعيد الخارجي. فقد عُرف عن الرئيس كارتر بأنه لا ينتمي إلى مدرسة القوة في السياسة الدولية وكان يركز بشكل أكبر على حقوق الإنسان والديمقراطية والسلام.
ثم تفرغ بعد تركه كرسي الرئاسة للأعمال الخيرية والسلمية. إذاً، كلام الرئيس كارتر مبرر وفقاً لقاعدة ما يمدح السوق إلا من ربح فيه، لكن هل هي مبررة عطفاً على واقع الحال العربي. نحن نقدر ميول الرئيس كارتر للسلام وعقلانيته وموضوعيته في تقييم واقع الحال العربي- الإسرائيلي سواء من خلال ما يكتبه أو ما يفعله، كلقائه بقيادة حماس التي تعتبرها الإدارة الأمريكية الحالية منظمة إرهابية وترفض التعامل معها.
رغم أن الأخيرة وصلت إلى السلطة من خلال صناديق الاقتراع التي باركتها واشنطن منذ البداية. مع العلم أن الرئيس كارتر لا يحظى حقيقةً بثقل سياسي كبير بدليل منع السلطات الإسرائيلية له من زيارة غزة، وتبرؤ واشنطن من زيارته هذه، لكن مساعيه الدبلوماسية تعتبر بادرة تستحق التشجيع من قبل شخصية سياسية عالمية.
لكني أختلف مع مقولة الرئيس الأمريكي عن السادات من منطلق تبعات معاهدة كامب ديفيد على العالم العربي. فهي ـ أي زيارة السادات لإسرائيل ومعاهدة السلام مع مصر، وإن كانت عملا شجاعا وغير متوقع وأنهى حالة الحرب بين مصر وإسرائيل كانت كارثية على العمل الجماعي العربي وتسببت في إحداث شرخ في الصف العربي دفع النظام الإقليمي العربي ثمنه باهظاً في السنوات التالية لتوقيع معاهدة السلام عام 1979.
أولاً؛ السلام المصري- الإسرائيلي كان سلاماً سياسياً وعسكرياً لم يمتد إلى التطبيع التام في الجوانب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، مما يعني أن العداء العربي الإسرائيلي هو صراع وجود وليس صراع حدود. ثانياً؛ كانت مصر آنذاك مركز الثقل السياسي في العالم العربي، وكانت القائد الإقليمي لدفة السياسة العربية.
لكن معاهدة الصلح مع إسرائيل تسببت في إضعاف الموقف العربي وتحييد مصر من اللعبة الإقليمية. وكانت القمة العربية في بغداد عام 1978، بعد الوصول إلى اتفاق مبدئي بين إسرائيل ومصر، نقطة تحول مهمة في السياسة العربية، حيث اتخذ قرار مقاطعة مصر وخروجها من الصف العربي الذي تم تفعيله عام 1979.
بخروج وتحييد مصر حاولت دول ثورية في المنظومة العربية أن تلعب دور القائد، وهذا ما فعله العراق، خاصةً عند وصول رموز طموحة وثورية مثل صدام حسين، فكانت الحرب العراقية - الايرانية في أحد جوانبها محاولة من العراق لإثبات قيادتها الإقليمية وحملها للواء النضال العربي. ثالثاً؛ أطلق خروج مصر من المعادلة الإقليمية العنان لإسرائيل لاتباع سياسة أكثر عدوانية، كما في ضربها للمفاعل النووي العراقي عام 1981 واجتياح لبنان عام 1982 والوصول إلى قلب بيروت.
أخيراً، أثبتت الوقائع السياسية اللاحقة أن إسرائيل ليست دولة تبحث عن السلام، بدليل رفضها ربط مسارات السلام ببعضها البعض حتى في معاهدة كامب ديفيد نفسها التي خصصت ملحقاً منفرداً للمسألة الفلسطينية..
وهكذا كان نهج الحكومة الإسرائيلية في مفاوضات السلام اللاحقة في مدريد وأوسلو ووادي عربة وواي رفر وكامب ديفيد الثانية وخارطة الطريق وإلى هذه اللحظة. وهكذا أصبح تفتيت المفتت وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ تراثاً سياسياً يحكم عملية السلام كما أرادتها إسرائيل وأمريكا.
knhabbas@hotmail.com
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 145 مسافة ثم الرسالة