الانعكاسات الاقتصادية- الاجتماعية لركود الاقتصاد الأمريكي
السؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي التأثيرات المباشرة، وغير المباشرة للأزمة الاقتصادية (الدورية للرأسمالية) الحادة التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية، والمرشحة لأن تدوم طويلا، ما لم تجر إصلاحات هيكلية عميقة على بنية الاقتصاد الأمريكي، يتم بموجبها تجاوز الآثار والانعكاسات الضارة، الناجمة عن تطبيقات " الليبرالية الجديدة " على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، والتي مست -على نحو مباشر- وتضرر من نتائجها السلبية والخطيرة غالبية الشعب الأمريكي . ما بات يعرف بأزمة الرهن العقاري، ليس سوى العنوان الفاقع للأزمة.
وهذا لا يعني بالطبع التهوين من خطورة نتائجها على الوضع الاقتصادي الكلي للولايات المتحدة. الأمر ذاته ينطبق على تأثيرات وذيول العسكرة الأمريكية في مواجهة الصراعات والتوترات العالمية والإقليمية، وانتهاج سياسة الهيمنة، التفرد، القوة، ومنطق البوارج العسكرية، وخوض الحروب في الخارج، كما هو الحال في أفغانستان والعراق، أو قرع طبول الحرب و التلويح باستخدام القوة، على غرار ما يحدث في منطقة الخليج ضد إيران، بغض النظر عن تقييم مدى طبيعة ومحتوى توجهاتها واستهدافاتها الإقليمية وفي مقدمتها العراق، وذلك تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل( إسرائيل بالطبع خارج هذه الرؤية الأمريكية )، وفي تجاهل تام للمنظمات والقوانين والمبادئ الدولية، وللرأي العام داخل الولايات المتحدة، وفي العالم. هذه السياسات والممارسات تستند إلى حد كبير إلى أيدلوجية المحافظين الجدد الذين لا يزالون يحظون بمكانة ونفوذ كبيرين في الإدارة الأمريكية الحالية، على الرغم من استقالة وانسحاب بعض رموزهم و اقطابهم المهمين .
هذه السياسة تعبر إلى حد كبير عن مصالح المجمع ( الكارتل ) العسكري / الصناعي، وشركات النفط العملاقة في داخل الولايات المتحدة، غير أن الحرب التي كانت تنظر إليها ( أمريكا ) على نطاق واسع، باعتبارها أداة لتنشيط الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، كما حدث في معظم الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، وخصوصا الحربين العالميتين الأولى والثانية، أصبحت نتائجها عكسية، في ضوء الخسائر الكبيرة من القتلى والجرحى والمعاقين ( قرابة 64 ألف جندي أمريكي ) و الأرقام الفلكية التي أنفقتها الولايات المتحدة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في حروبها في السنوات الأخيرة . ويستحضرنا هنا قول جوزيف ئي ستيغليتز “الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001 وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كولومبيا. واشترك مع ليندا بيلميز في تأليف كتاب حرب الثلاثة تريليون دولار”: الكلف الحقيقية للصراع في العراق' حيث أشار " يعشق الأميركيون هذه المقولة 'لكل شيء ثمن، ولا وجود لغداء مجاني'. ولكن يتعين علينا أن ندرك أن الحرب أيضاً ليست مجانية. ولسوف تدفع الولايات المتحدة والعالم ثمن هذه الحرب طيلة عقود قادمة وإلى جانب حرب الثلاثة تريليون دولار، جاءت أزمة الرهن العقاري، و على غرار انفجار فقاعة اسهم الانترنت في الولايات المتحدة والعالم سنة 2000، فقد تضخمت الفقاعة العقارية حتى وصلت إلى ذروتها، فانفجرت في صيف عام 2007 حيث تدهورت أثمان العقارات، وعجز الأفراد عن سداد قروضهم، حتى بعد بيع عقاراتهم المرهونة. مما أدى إلى فقد مليوني أميركي ملكيتهم لمنازلهم وعقاراتهم الخاصة، وأصبحوا مطالبين بالسداد للمصارف والبنوك. ونتيجة لعجزهم عن السداد ،فقد انعكس ذلك على المصارف الدائنة، نتيجة عدم سداد المقترضين لقروضهم والتي بدورها كانت مقترضة، وهو ما أدى إلى هبوط قيم أسهمها في البورصة وأعلنت شركات عقارية عديدة إفلاسها. وقد قدرت بعض الإحصاءات أن أزمة الرهن العقاري كلفت الاقتصاد الأمريكي قرابة تريليون دولار، وبفعل آليات العولمة، وحجم الاقتصاد الأمريكي، وتأثيره وتداخله القوي في الاقتصاد العالمي، فإن الأزمة تخطت إلى حد كبير الداخل الأمريكي لتشمل الاقتصاد العالمي برمته, وفي سياق المحاولات الأمريكية لتطويق الأزمة، جرى تخفيض نسبة سعر الفائدة مرتين بمقدار5.% في كل مرة ،لتصل النسبة إلى 2% مقارنة بسعر الفائدة الأميركية في عام 2007 البالغة 4.2% ومع وجود نسبة التضخم التي تصل إلى 4% فإن السعر الحقيقي للفائدة (السعر الاسمي بعد طرح نسبة التضخم) أصبح سلبا بمقدار 2% . وللحديث صلة.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 147 مسافة ثم الرسالة