أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
الضرائب على الطاقة: النموذج الأوروبي
يتعجب المرء من أن ثمن تذكرة طائرة بين مدينتين أوروبيتين يصل إلى حوالي 25 يورو، بينما تصل الضرائب الإضافية إلى 28 يورو كضريبة مضافة متعددة الأوجه، وجزء منها ضريبة على الطاقة. وقبل عشرة أعوام، حين وقعت معاهدة (كيوتو) لحماية البيئة، كان العديد من الناس في منطقة الخليج العربي يتخوفون من الآثار السلبية على استهلاك الطاقة في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وانعكاسات ذلك على صادرات المنطقة من النفط الخام. أما اليوم؛ فقد أصبحت هذه الضريبة حقيقة، خاصة في دول الاتحاد الأوروبي، وعما قليل، حين يصل الديموقراطيون إلى الرئاسة في الولايات المتحدة، فسينظرون باهتمام إلى التوقيع على معاهدة كيوتو، وبالتالي بدء فرض أنماط جديدة من الضرائب على مستهلكي النفط والغاز والفحم، وغيرها من أنواع الطاقة الأحفورية.
فمنذ عام 2005م، ودول الاتحاد الأوروبي تفرض ضريبة مستترة على النفط تحت مسمى بطاقات أو (أذونات) السماح، وبموجب هذه الأذونات يسمح للشركات والمصانع بحدود عليا من الأدخنة، خاصة في محطات الكهرباء ومصانع البتروكيماويات والبلاستيك ومحطات تكرير البترول، وغيرها من المصانع الكبرى.
وإذا ما حاولت إحدى هذه الشركات زيادة طاقتها الإنتاجية، فإنها تضطر إلى شراء (أذونات) أخرى من الشركات التي لم تصل بعد إلى الحد الأقصى من إنتاج الأدخنة والملوثات البيئية. وقد بدأت منذ أكثر من ثلاثة أعوام بورصة جديدة في لندن خاصة ببيع وشراء وتداول هذه (الأذونات) بين الشركات، ووصلت أحجام التداول إلى حوالى 60 بليون دولار في السنة. وحين طبّق الاتحاد الأوروبي المرحلة الأولى من الحدود العليا لكبح جماح التلوث عام 2005م، رحبت العديد من الشركات العالمية الكبرى بمثل هذه الخطوة، ومنها شركة (تويوتا وفورد، ويونيليفر، وغيرها)؛ اعتقاداً منها بأن ذلك يمثل تجاوباً مع رغبات المستهلكين في الحصول على طاقة نظيفة.
أما اليوم فقد تغير موقف هذه الشركات، حين أعلنت المفوضية الأوروبية نيّتها عن فرض قيود جديدة في المرحلة الثانية من تطبيق معاهدة (كيوتو). وتشير خطط المفوضية إلى أنها تنوي تقليص انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون إلى 20% من حجمه الحالي، بحلول عام 2020م. وأنها ستبدأ بفرض تقليص متصاعد على الأبخرة من المصانع تبدأ بحوالي 20% عام 2013م، وتتزايد بشكل سنوي حتى تصل إلى 100% بحلول عام 2020م.
وكان رد فعل أقطاب الصناعة الأوروبية عنيفاً، فقد كتب (فان دير فير) مدير شركة (شل) مقالاً قوياً مؤخراً في جريدة الصنداي تايمز البريطانية، هاجم فيها نوايا الاتحاد وسياساته، واتهم البيروقراطيين في بروكسل، بأنهم يريدون تحطيم صناعة التكرير الأوروبية، ويريدون أن تصدّر أوروبا مصانع البتروكيماويات لديها إلى بلدان الشرق الأوسط. وبذلك فإن مليوني عامل أوروبي يعملون في مجال التكرير والبتروكيماويات والبلاستيك سيفقدون وظائفهم، بمثل هذه الخطط التي تطرحها المفوضية الأوروبية. يذكر هنا أن دول الاتحاد الأوروبي تمتلك حوالي 105 محطات تكرير للنفط معظمها يتركز في هولندا واليونان. وأن النفط المكرر من هذه المحطات يستخدم داخلياً، كما يصدّر إلى الولايات المتحدة.
وتحقق هذه الصناعات مبيعات تصل إلى 74 بليون يورو، كما تنتج حوالي 725 مليون طن من النفط المكرر في السنة، أو حوالي 18% من قدرات التكرير العالمية. وفي الوقت ذاته، فإن هناك طروحات لتنفيذ بعض مقترحات مؤتمر (بالي) للبيئة يتم فيه نشر النموذج الأوروبي على بقية دول العالم. وحتى الآن لم تنضم الولايات المتحدة لهذه المعاهدة، بالرغم من تطبيقها لنموذج مماثل على ما يسمى (بالمطر الحامض) وإنبعاثات (أكسيد النتروجين). وهناك بعض الولايات التي تنظر بجدّية للنموذج الأوروبي.
وتذهب إستراليا إلى التوجه نحو تطبيق المعاهدة وتطبيق نموذج مشابه للنموذج الأوروبي، وذلك بحلول عام 2012م، وفي حال طبقت بلدان أخرى مثل الهند والصين مثل هذا النموذج الذي يحدّ بشكل كبير من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويقلّص من استخدامات النفط، فإن ذلك ستكون له آثار سيئة مستقبلية على صادرات النفط الخليجية. وهنا يتحتم على علمائنا وأساتذة الاقتصاد في بلدان الخليج النظر بتمعّن في تداعيات مثل هذه السياسات المستقبلية وآثارها وكيف يمكن مجابهتها سياسياً. ومثل هذه التساؤلات جديرة بالأخذ بعين الاعتبار، خاصة أن الشركات الكبرى مثل شركات النفط وشركات إنتاج السيارات أو البتروكيماويات ستتأثر مبيعاتها سلباً بمثل هذه التطورات. لذلك فمن الجائز النظر في تحالفات جديدة مع هذه الشركات، وحتى مع نقابات العمال الأوروبية القوية، التي ستفقد جزءاً من وظائفها. والعمل يداً بيد مع هذه الفئات المتضررة للتأثير في الوقت الحاضر على سياسات وخطط المفوضية الأوروبية، حيث تملك كل من هذه الشركات والنقابات أذرعاً سياسية قوية.
وقد نجحنا في الماضي خلال عقد الثمانينات في تأخير إصدار معاهدة (كيوتو) ولعقد كامل من الزمن، وربما ننجح مرة أخرى في المستقبل في التأثير على هذه السياسات، والحد من أضرارها على اقتصادات بلداننا.
للتواصل ارسل sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة