الأبعاد المختلفة لأزمة الغذاء العالمي
تعاظمت تداعيات أزمة الغذاء التي يشهدها العالم بشكل كبير. حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسب قال البنك الدولي بأنها تجاوزت 80% في السنوات الثلاث الأخيرة مما ينذر بتوسيع شريحة الفقر والفقراء في العالم. وأصبحت الكثير من الحكومات تواجه ضغوطا شعبية نتيجة تردي أوضاعها المعيشية, وشملت الأزمة دولا عديدة في مناطق مختلفة من العالم من الفلبين ومصر وهايتي وغيرها من دول العالم التي يقدر عددها بما لا يقل عن ثلاث وثلاثين دولة. وقد لا يكون مستغرباً أن تحظى هذه الأزمة باهتمام الدول الغنية والفقيرة على حد سواء, مما حدا بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى التطرق لها ومناقشتها في اجتماعهما الأسبوع الماضي نظراً لما تشكله من تهديد لاستقرار وأمن الدول, ناهيك عن أنها تشكل تحدياً صريحاً لإعلان الألفية الطموح الذي تم تبنيه عام 2000, الذي يرمي إلى تحسين أحوال العالم من خلال محاربة الفقر والجهل والأوبئة وحماية البيئة.
أزمة الغذاء العالمي لها مخاطر عديدة. فهي تدخل في صميم الأمن الغذائي الذي يشكل تهديداً مزمناً لحياة الفرد وطمأنينته وقدرته على توفير أساسيات الحياة, أما في بعدها الآخر, فإن أزمة الغذاء هي أزمة إنسانية نابعة من تنصل الدول الصناعية الغنية من المسؤوليات التي قطعتها على نفسها بمساعدة الدول الفقيرة والتخفيف من معاناتها. كذلك فإن الكثير من دول العالم لم تف بتعهداتها الخاصة بتقليل التعريفات الجمركية على المواد الزراعية. من هنا أتى البيان المشترك الصادر من الوزرا المشاركين في الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي منادياً الدول بضرورة الوفاء بالنقص في برنامج مساعدات برنامج الغذاء العالمي والبالغ 500 مليون دولار من أجل مساعدة المناطق الأكثر فقراً في العالم. أزمة الغذاء هي أيضاً أزمة مرتبطة بطبيعة الاقتصاد العالمي, حيث تتشابك مسببات الظواهر الاقتصادية وتتعدد العوامل المؤثرة فيها, وتتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد. فارتفاع اسعار النفط ساهم في زيادة أسعار المواصلات والنقل من ناحية, يقابل ذلك تردي الانتاج الزراعي في بعض الدول نتيجة الطقس السيئ, فيما قامت بعض الدول المنتجة لبعض المواد الغذائية المهمة بوقف التصدير الخارجي لمواجهة الطلب المحلي وكبح جماح ارتفاع الاسعار. كما يمكن القول أن لزيادة الطلب العالمي على المواد الغذائية الذي يتنامى بإستمرار مع التزايد السكاني في العالم أثرا سلبيا على أسعار المواد الغذائية الرئيسية, ويظل السبب الآخر مرتبطاً بزيادة أمريكا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم إنتاج الوقود الحيوي في السنوات الأخيرة, الذي يعتمد على استخدام بعض المحاصيل الغذائية, مثل الذرة, لإنتاج مصادر بديلة للطاقة من أجل تقليل الاعتماد على النفط.
من ناحية أخرى وجدت بعض دول العالم الثالث في هذه الأزمة ذريعة لتوجيه أصابع الإتهام للدول الصناعية بضرورة تحمل مسؤولياتها الإنسانية ووقف كل أنواع الدعم الذي توفره لانتاج الوقود الحيوي, إضافة إلى ضرورة زيادة دعمها المالي للدول الفقيرة. وتظل هذه الأزمة أزمة التزام وتعهدات وسياسات تعبر عن ضعف التعاون الدولي في بعض الجزئيات وتملص الدول عن الوفاء بالتزاماتها من ناحية, وتأتي في الجانب الآخر كنتيجة منطقية لتداعيات اقتصادية عالمية ناجمة عن سياسات اقتصادية معينة أوظروف محيطة بالفعل الاقتصادي.
knhabbas@hotmail.com