على خفيف
هل في هذا شيء من الحكمة
من أكثر ما يصلني من قضايا يطلب اصحابها بحثها والكتابة عنها، ومن أكثر ما عالجه الأخوة الكتاب والصحفيون في كتاباتهم وأعمالهم الصحفية قضية العلاقة بين المالك والمستأجر، وهي قضية طالما شغلت الدوائر القضائية والأمنية والحقوقية وأمست مصدر تذمر ومنشأ لنمو الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد، ومع ذلك كله فإن كل ما قيل وكتب عن معاناة الناس في هذا المجال لم يجد أذنا صاغية، وكأن الجميع ينفخون في قربة مخروقة، مع أن الحلول التي طرحت عديدة وعملية ومعقولة ولكن لا أحد يأخذ بها، الأمر الذي شجع المماطلين من المستأجرين على البقاء في أملاك الآخرين بلا مقابل لأنهم يعلمون ان «دية» عدم الدفع هي ان يلجأ المتضرر وهو المالك في هذه الحالة الى المحكمة العامة لبدء مشوار طويل من أجل استعادة حقوقه من المستأجر المماطل، ولكن الأخير لا يأبه بلجوء الأول الى المحكمة العامة بل ربما ناداه وشجعه على ذلك قائلا له بكل صفاقة وتبجح «أمامك درب المحكمة.. تعرفه والا أدلك عليه.. دوبك.. دوبك يا مليح» وهو يقول ذلك لعلمه المسبق ان شكوى المالك سوف تحتاج الى شهور وربما أعوام للفصل فيها وانها قد تنتهي بعد ذلك بالتسوية على أساس ان يخرج المستأجر من العقار مقابل اسقاط الايجار المتأخر عنه، هذا ان لم يطلب من المالك «رضوة» مالية مقابل تسليم العقار له، أو يكون الحكم بتقسيط الايجارات المتأخرة على عدة شهور أو سنوات، وعندها يبدأ المستأجر المماطل في دفع قسط شهر ثم المماطلة وعدم دفع قسط شهرين ثم التوقف عن الدفع مرة ثالثة لفترة طويلة متعللا بأعذار واهية، واذا لم تعجب المالك هذه الحال، فإن النصيحة هي ان يضرب رأسه في أقرب حائط صلب حتى تسيل دماؤه، كل هذا وما هو أكثر منه كُتب عنه والحلول طرحت عشرات المرات ولكن لا أحد يأخذ أو يأبه بها وكأنه شيء يرابا، مع ان بقاء الحال على ما هو عليه قد يجعل العديد من الملاك يعزفون عن الاستثمار في سوق العقار والبناء فإذا حصل ذلك بدأت الشكوى من قلة العرض للمساكن المؤجرة وزيادة الطلب. فإلى متى تظل هذه المعاناة قائمة والحق ضائعا وهل في ذلك شيء من الحكمة؟!