أفـيـاء
الانحراف عن المسار !
لي صديقة حميمة، أعدها منهلاً عذباً للأفكار الطازجة، متى جف منبع أفكاري لجأت إليها فوجدت عندها الارتواء الذي أبحث عنه. حين بدأت تحدثني عن فكرة تشغلها، أخذت أصغي إليها باهتمام، شعرت أني أصغي إلى نفسي، فقد كان التقارب بيننا كبيراً، في الاهتمامات والميول والأفكار والمشاعر، وبدا لي ما تقوله متفقاً تماماً مع كثير من الأشياء في ذهني، كانت صديقتي تتحدث عن فكرتها بحماسة أقنعتني، فوجدتني أتبنى الفكرة وأنتحلها لأنقلها إليكم.
تقول هذه الصديقة إنه ينشأ في المجتمع من حين لآخر مؤسسات خاصة تضم وجوها شتى من أوجه النشاط الفكري في حياتنا من أدب أو ثقافة وفن أو تربية أو إعلام أو غير ذلك، وقد تكون هذه المؤسسات وليدة حماسة شخص واحد وعصارة أفكاره وربيبة اهتمامه، فتنمو وتزدهر على يديه، حيث يظل يمدها بدعمه ويسقيها رعايته ويحيطها بإشرافه، ولكن ما إن تنتهي حياته ويؤول أمر المؤسسة إلى خليفته، حتى يطرأ عليها الذبول، ويعتريها الشحوب فتبهت في جمود وركود متخلية عن الدور المؤثر الذي كانت عليه أيام المؤسس، أو تنحرف عن مسارها الأصلي لتسير في طريق آخر غير الطريق الذي كان مرجواً لها أن تنهجه.
إن هذا لا يعني أن تظل المؤسسة على الصورة القديمة نفسها التي كانت عليها في زمن صاحبها، فمن حق اللاحقين أن يبثوا رؤيتهم الجديدة وأن يغيروا ويبدلوا بما ينفق مع ما يطرأ من مثيرات ومتغيرات، لكن المراد هو أن لا تفقد المؤسسة توقدها وفعاليتها وأن تحافظ على الأهداف التي أنشئت من أجلها.
ما تفسير هذا الفتور الذي يصيب المؤسسات بعد غياب مؤسسيها؟ أتراه يحدث لكون المؤسس غالباً صاحب رؤية ورسالة، يحمل في ذهنه تصوراً معيناً وأفكاراً خاصة تملؤه الحماسة لتطبيقها، أما الذين يأتون بعده فليس بالضرورة أن يكونوا يحملون حماسته أو تتوفر فيهم سمات النجاح الموجودة فيه، فتكون النتيجة أن تبقى المؤسسة قائمة إسماً، لكن عملياً لا أثر لها بعد أن كانت في حياة صاحبها ملء السمع والبصر؟
في ظني، أن المؤسسات نفسها تحمل جزءاً من المسؤولية، فهي لم يعن أصحابها حين أنشأوها بترسيخ الأسس والقواعد المنظمة للعمل فيها، ولم يبلوروا بجلاء الرسالة التي يطمحون إلى أن تؤديها مؤسساتهم ولم يرسموا بدقة الأهداف التي يرنون إلى بلوغها، لذلك كان متوقعاً أن يظهر بعد غيابهم عنها، التخبط والتذبذب المصاحبان عادة لغموض الرؤية وغياب الرسالة وضبابية الأهداف.
ص.ب 86621 الرياض 11622
فاكس 4555382