الغلاء.. بين زعزعة الثقة.. والحل الأمني !
بالأمس؛ خرج علينا مستوردو الحليب في صحيفة عكاظ ليؤكدوا أنهم لن يخفضوا أسعار حليب الأطفال إلا بعد مرور خمسة أشهر، ونفاد الكميات الموجودة لديهم في المخازن، بمعنى أن الفترة الزمنية بين صدور قرار الدعم واستفادة المواطن منه فعليا تصل إلى قرابة عام كامل، محملين التجارة مسؤولية التأخير، ما يسهم في تخفيض درجة موثوقية المواطن في سياسات المعالجة الاقتصادية لأزمة التضخم وارتفاع الأسعار من جهة، وقدرة المؤسسات المعنية في ترجمة السياسات والاستراتيجيات إلى برامج وقرارات نافذة على الأرض.
فموضوع التضخم وارتفاع الأسعار في السلع الأساسية، والإيجارات والعقارات، ليس موضوعا اقتصاديا بحت، بل هو موضوع أمني واجتماعي يمس الأمن الوطني السعودي، وبمراجعة سريعة لبعض الدول التي طالها موضوع الغلاء (مصر أنموذجا) نجد معالجة سريعة وصارمة،أسفرت عن إحالة أكثر من 12 ألف صاحب مخبز إلى المحاكمة واعتقال كبار الموزعين، لتلاعبهم بالأسعار وتهريب الدقيق، كما تدخلت الدولة في تعديل آلية العرض والطلب في السوق من خلال ضخ منتجات الدقيق عبر مخابز القوات المسلحة والداخلية .
حاليا، كافة المؤشرات الاقتصادية تشير إلى تفاقم الأزمة محليا، واتساع تداعياتها اجتماعيا، فأسعار الحليب زادت – مرة أخرى- خلال اليومين الماضيين مانسبته 10% ، كما ارتفعت أسعار الحديد بنسبة 100% تقريبا، وارتفعت إيجارات المنازل بنسبة 70% بشكل غير مبرر، في حين حددت دول أخرى؛ مثل الإمارات سقفا أعلى للزيادة السنوية للإيجارات بين 5-7 % وقامت بالتشهير بموزعين وتجار، وعاقبت شركات كبيرة، وفي المقابل لايرصد المواطن السعودي عقوبات لشركات أو تجار أو مؤسسات استغلوا المناخ السائد بجشع غير مبرر ليزيدوا معانات المواطن اليومية، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، وهذه طبيعة بشرية، ففي دراسة نشرتها الزميلة (الحياة) بالأمس أكد أكثر من 56 في المئة من السعوديين والسعوديات (العاطلين عن العمل) والبالغ عددهم وفق الإحصاء الرسمي 454 ألف شخص، أنهم يفكرون في السفر خارج المملكة للبحث عن فرص عمل!
ان أهمية تدخل الجهات الأمنية في عمليات (الضبط) و(المعالجة) لأزمات الغلاء المركبة في السعودية، بات مطلبا حيويا، لاسيما في ظل عدم إحداث تغييرات بنيوية في الجسم الاقتصادي السعودي أو سياسات اقتصادية شاملة وسريعة، تحصن الأمن الاقتصادي (علاجيا ووقائيا) فالشاب السعودي حاليا بحاجة الى تفاعل الجهات الاقتصادية مع مشاكله، فهو لايستطيع شراء ارض صغيرة في مدينة الرياض، وإذا استطاع فأنه عمليا لايستطيع بناءها في ظل ارتفاع مواد البناء بشكل غير مسبوق. إن الشفافية والمصارحة تتطلب الاعتراف بأن لدينا أزمات اقتصادية مركبة(اقتصاديا واجتماعيا وامنيا) كما ان هناك إشكاليات وبطئا في معالجتها، لذلك تبرز الحاجة الى إطلاق حملات وطنية (أمنية/ اقتصادية) لمكافحة الغلاء الذي لايقل أهمية وخطورة عن مكافحة الإرهاب، فأزمة الغلاء بحاجة إلى تحرك سريع وصارم وشامل، وإلى إدارات تفتح أذهانها وقلوبها وهواتفها ومكاتبها للبحث عن حلول للأزمة، ومعاقبة المتلاعبين والتشهير بهم، والتصدي لما تتضمنه التقارير الدولية من جولات قادمة للغلاء في المنطقة. وبالمناسبة كثيرا من حلول الأزمة متاح؛ سواء من خلال تجارب الدول المحيطة، او مايكتبه الخبراء والكتاب المتخصصون عبر وسائل الإعلام الوطني، ولكن.. يبقى الجانب الأهم؛ هو التنفيذ وهو مانحتاجه اليوم وليس غدا.
ALFIRM@GMAIL.COM