إدوارد سعيد .. أسفار في عالم الثقافة ووعي الهوية
شايع بن هذال الوقيان
صدر في عام 2007م كتاب للباحث محمد شاهين يتناول فيه حياة وفكر المفكر الأمريكي العربي إدوارد سعيد.. وكان قد صدر عام 2004م لنفس المؤلف كتاب بعنوان (إدوارد سعيد : مقالات وحوارات) وهو عبارة عن مقالات وحوارات لسعيد. وكتابنا اليوم هو من الحجم الصغير ولا يتجاوز السبعين صفحة ولكن قيمته العلمية والأدبية أكبر من حجمه بكثير. يبدأ المؤلف كتابه سارداً قصتين قصهما إدوارد سعيد وكان لهما أثر كبير في حياته وفي توجهه الفكري والأكاديمي.
في العام 1951م "أودعَ" والدا سعيد ابنهمَا المراهق في إحدى المدارس الثانوية. غادر الوالدان بسرعةٍ إلى الوطن العربي. وبقي الشاب الصغير داخل أسوار المدرسة.. بقي فيها مودَعاً؛ لتبدأ رحلة البحث عن الهوية.
لقد كان الطالب الوحيد – كما قال – غيرَ الأمريكي في هذه المدرسة؛ الطالب الذي لا يتكلم اللهجة الأمريكية الأصلية؛ لهجة من نشؤوا على تقاليد كرة السلة والبيسبول وكرة القدم الأمريكية. إن الاغتراب – هنا – هو اغتراب لغوي قبل كل شيء. كان للعائلة – عائلة سعيد – صديق يدعى فردي معلوف أوصى سعيداً وهو في القاهرة قبل سفره إلى أمريكا بزيارة صديق له هناك يسمى (نِد) وهو عربي مغترب كما يبدو .. وهو يقطن قريباً من مدرسة سعيد التي أشرنا إليها آنفاً, فلربما يجد لدى (نِد) أنيساً يطرد عنه مشاعر الغربة وآلامها. ذهب سعيد في صبيحة أحد الأيام إلى (ند) الذي كان يقود فريق التنس في المنطقة. قابله ( ند ) ببرود. حاول سعيد - بشوقٍ - أن يتحدث معه العربيةَ. فقاطعه (ند) قائلاً ( No brother , no Arabic here , I left all that behind when I came to America ) " لا يا أخي . لا حديث بالعربية هنا . فقد تركت كل ذلك ورائي عندما قدمت إلى أمريكا)! مما عمق إحساس الغربة لدى هذا الفتى المسكون باللغة والهوية والوعي الحقيقي بالاختلاف.
وفي سياق تعيينه مدرسا عام 1963م في جامعة كولومبيا روى سعيد أن القِسم الذي تقدم إليه وصف سعيداً بأنه يهودي إسكندراني (من الإسكندرية) فرحب به زملاؤه ترحيبا يفوق الوصف! وقد كان يوصف هو ومن معه بأنهم شرق أوسطيون.. هذه العبارة السطحية والغامضة,كما يقول سعيد, تستعمل لتفادي أية كلمة أخرى تبدو ملتبسة.. عربي أو فلسطيني تحديدا.
إن تأمل هاتين الحادثتين من حيث أثرهما على صاحبهما طبعاً – إذ هما لا تحملان مغزى تاريخياً ولا حتى اجتماعياً ذا خطر إذا قورنت بحوادث وملابسات أخرى- أقول: إن تأمل هاتين الحادثتين وغيرهما مما رواه سعيد في مذكراته وحواراته وسيرته الذاتية في المنفى تساعد الباحث في فكر إدوارد سعيد على تقصي وكشف الأصول السيكولوجية والفكرية التي دفعته إلى تأليف تلك الكتب والأطروحات الشهيرة والتي حازت على مقروئية عالمية مدوية كـ"الاستشراق" و "الثقافة والإمبريالية" و "النص والعالم والناقد" وغيرها. وفي كتابه الأخير ما يؤكد كلامنا. إذا يصر سعيد على أن النص لا يجب أن يقرأ بمعزل عن ظروفه التاريخية ولا عن مؤلفه. وهو هنا يعارض ويناقش المدارس النصية التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين تحديدا كالبنيوية والشكلانية وغيرهما من المدارس النقدية والفكرية التي تستبعد التاريخ والمؤلف من دائرة تحليل وقراءة النص. بعد أن تطرق المؤلف محمد شاهين إلى بعض من سيرة حياة سعيد التي بقيت مجهولة للكثيرين.. انتقل –وبناء على ما في هذه الشذرات السيرية من هاجس الغربة؛ اللغوية والثقافية تحديدا – إلى وصف سريع لأهم كتب سعيد وهي التي ذكرناها قبل قليل. كما أشار المؤلف إلى مقالة قديمة لإدوارد سعيد نشرها في مجلة مواقف اللبنانية عام 1972م وهي في رأيه أول مقالة تنشر له بالعربية. رغم أنها نشرت خلوا من اسم المترجم. وهذه المقالة بعنوان (التمنع والتعجب والتعرف) وقد نشرها شاهين مشكورا في كتابه (إدوارد سعيد : مقالات وحوارات) وهي مقالة طويلة تشغل ستاً وثلاثين صفحة من الكتاب. وفيها تحدث سعيد عن أزمة الوضع العربي الراهن. وهي تعتبر –حسب شاهين– مقدمة تمهيدية للهاجس الذي سيتجسد عبر أطروحاته الأشهر . هاجس المقاومة والنضال.. ولكن بالمعنى الثقافي. فإدوارد سعيد يقابل بين ثقافة الهيمنة وثقافة المقاومة. ولكن المقاومة في نظره وكما شرحها في كتابه (الثقافة والإمبريالية) وهو تكميل لأطروحة (الاستشراق) لا تعني الرفض الساذج والمعارضة السطحية؛ رفض الآخر ومعارضته لمجرد كونه مستعمرا أو مهيمنا.. بل تعني (تفعيل الثقافات). الانطلاق من ثقافات الهامش وأنسنتها والمقاومة بها ومن أجلها.