تحويلها من نشاط إلى صناعة ناجحة يحتاج إلى جيل مؤهل من الكوادر
السياحة الداخلية تشكل 6% من الناتج المحلي والابتعاث خطوة على طريق سعودتها
أحمد العرياني ـ جدة
لأن السياحة باتت اليوم عنصرا أساسيا في الاقتصاديات الجديدة وتعتبر أحد أهم القطاعات نموًا وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، بدأت المملكة في وضع الاسس الثابتة التي تضمن تأمين البيئة والمناخ المناسبين للاستثمار في هذه الصناعة بصورة مستدامة. وانطلاقا من هنا بدأت السياحة عندنا تأخذ أبعادًا جديدة بحيث لم تعد كلمة سياحة غريبة على السعوديين لا بل بدأوا يضخون استثمارات ضخمة فيها وبدأت تظهر معها بوادر مهمة مع ظهور موظفين بالزي الوطني في قلب المرافق السياحية والفنادق ما يبشر بجيل جديد قادر على ان يقود السياحة السعودية الى آفاق أرحب.
ورغم ذلك ما زالت الفجوة بين دور السياحة في الاقتصاد الوطني ودورها في استقطاب الشباب للعمل كبيرة، الا ان الآمال معقودة على المبادرات الوطنية في دفع الشباب للإقبال على هذا القطاع، مع الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب والتعليم.
بدأ ذلك بالفعل مع إدراج برامج للتدريب والتأهيل للعمل في إدارة السياحة والسفر اضافة الى أن الهيئة العامة للسياحة والآثار بدأت في الابتعاث لدراسة التخصصات السياحية، وهو ما يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح ونقطة انطلاق تتكامل مع مبادرات أخرى قامت بها الهيئة للإسهام في سعودة قطاع السياحة والسفر.
الا ان السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف نصل الى نقطة توازن بين مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني والتي تصل الى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، والمساهمة المحدودة في معدلات السعودة في الوظائف، والتي يصعب معها الحصول على بيانات حقيقية، وان كانت النقطة المضيئة ارتفاع نسب التوطين في المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بالقطاع السياحي.
عكاظ طرحت هذه القضية للنقاش على مجموعة من الخبراء والمستثمرين. فكيف كانت نظرة هؤلاء الى هذه القضية وما هي الحلول والمقترحات التي رأوا انها تحول السياحة السعودية من نشاط عادي الى صناعة مثمرة تصل بها الى المكانة التي تليق بدولة كالمملكة؟.
السعودة حتمية
بداية أكد زهير محمد يحيى القرشي -عضو المنظمة العربية للسياحة- ان أبناء الوطن أقدر على تقديم المعلومات الإرشادية للزوار والسياح القادمين إلى المملكة، وبالتالي فإن سعودة المهن السياحية أمر حتمي، ولكن الأمر يحتاج إلى جهود أكبر ووقت اضافي، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار حداثة القطاع. واضاف أن فترات العمل الطويلة، والأجور في القطاع السياحي مقارنة بالأجور في قطاعات أخرى وحداثة القطاع يرى فيها البعض معوقات تحول دون التوطين بالشكل والطموح الذي نرغب فيه، ولا يمكننا أن ننكر ان هذا الأمر سيظل حلمًا بالنسبة الى الجميع وسنتكاتف معًا من أجل تحقيقه. واشار الى ان صناعة السياحة من الصناعات التي تتطور بقوة وبسرعة تكاد تسبق قطاعات أخرى، ومعدلات التطور والنمو في المدخول والمنتج السياحي تزداد عامًا بعد آخر، ما جعل المملكة واحدة من بين نقاط الاستقطاب السياحي على المستوى الإقليمي. وأوضح ان هذه النقطة تؤكدها كل الأرقام، والأشغال الفندقية على مدار العام، وبالتالي فإن صناعة السياحة بحاجة إلى شباب مواطنين يعملون في القطاعات المختلفة لتلك الصناعة.
تعاون المؤسسات
من جانبه أكد الخبير السياحي رائد حابس أن كل الوظائف في القطاع السياحي ليست وظائف دنيا، بل هناك وظائف إدارية وفنية وعلاقات عامة ومحاسبة وشؤون مالية وغيرها يمكن أن تكون نقاط جذب واستقطاب للشباب السعودي، ولكن لم نر حتى الآن هذا الإقبال الذي نطمح إليه. مشيرا الى أن السعودة منظومة متكاملة لا تقتصر على التوظيف فقط، بل تنتهي عنده بعد رحلة تبدأ من التعليم من خلال مناهج دراسية تواكب متطلبات الوظائف المختلفة مع برامج تأهيل وتدريب وتنمية المهارات ثم تأتي الوظيفة بعد ذلك، ومن هنا يجب تعاون مختلف المؤسسات في الدولة لدعم مسيرة التوطين السياحي والفندقي، متوقعا ان تتغير الصورة خلال السنوات المقبلة في ضوء المؤشرات الراهنة في ما يتعلق برغبة الشباب للعمل في قطاعات سياحية جاذبة مثل العلاقات العامة وضيافة النزلاء والإدارة وغيرها من المجالات الأخرى. وأضاف ان هناك جانبا آخر من المشكلة يتعلق بأن الشباب السعودي يعتقد ان السياحة والفندقة لا توفر لهم الامن الوظيفي على المدى الطويل فيعملون فيها بشكل مؤقت لحين ايجاد فرصة افضل في قطاعات اكثر استقرارًا، ومن هنا ستظل العمالة الوافدة تسيطر على مختلف الوظائف الإدارية الدنيا والمتوسطة والعليا، مؤكدًا على ضرورة تكثيف حملات التوعية بين الشباب حول أهمية القطاع ومدى جدواه، ثم ان العمل الفندقي حتمًا سيكون أحد البدائل الاولى أمام الشباب خصوصا مع ندرة الوظائف مستقبلًا.
اما جاد الجاد المدير التنفيذي في احدى الشركات الفندقية فشدد على أن السعودة في القطاع السياحي والفندقي من أصعب القطاعات خصوصا مع وجود شبه رفض اجتماعي للعمل في الخدمات السياحية والفندقية، ولكن بالرغم من ذلك فهناك آفاق وآمال، خاصة مع اتساع نطاق الوظائف السياحية، وزيادة عدد الفنادق واستحداث وظائف تتعلق بالشؤون الإدارية والعامة ذات الصلة بالعمل الفندقي. واشار إلى أن ظهور المواطن في العمل السياحي مسألة في غاية الأهمية، وواجهة يبحث عنها السائح دائمًا، خاصة في وظائف الاتصال والاستقبال وعلاقات الفنادق، ومن هنا فالعمل على تعزيز هذا الأمر مهم جدًا.
مشروع تنمية الكوادر
ومن جانبه بين المدير العام للمشروع الوطني لتنمية الموارد البشرية السياحية (يا هلا) في الهيئة العامة للسياحة والآثار الدكتور عبدالله بن سليمان الوشيل أن الهيئة سعت إلى إنشاء المشروع الوطني لتنمية الموارد البشرية السياحية (يا هلا) حتى تكون هناك أيدٍ عاملة رافدة للسياحة على مستوى المملكة، ويتمحور عمل المشروع حول ثلاثة محاور، هي توطين الوظائف السياحية والتوعية المهنية والاستثمار السياحي. وأشار إلى أن عملية توطين الوظائف تهدف الى رفد القطاعات السياحية بأيدٍ وطنية قادرة على تشغيل وإدارة القطاعات السياحية بمهارة وكفاءة عالية وبجودة يتطلبها سوق العمل، لذا قامت الهيئة بعمل دراسات لكل قطاع من القطاعات السياحية مثل قطاع السفر والسياحة، قطاع الإيواء، قطاع الجذب السياحي (الترفيه) وكذلك قطاع الحج والعمرة، وهي الآن بصدد إعداد خطة لتوطين قطاع الآثار والمتاحف، أسهم في هذه الدراسات العديد من الجهات المتخصصة كالجامعات وكان الغرض منها التعرف على طبيعة المهن الموجودة في هذه القطاعات وتقدير الوظائف المتاحة في كل قطاع.
وأشار إلى أن الهيئة قامت بعدد من الدراسات في مجال الموارد البشرية السياحية حيث كشفت تلك الدراسات عن ان قطاع السياحة وخلال الـ20 عامًا المقبلة سيوفر ما يقرب من مليون ونصف مليون فرصة وظيفية مباشرة وغير مباشرة، وفي ضوء هذه الدراسات وُضعت خطط لتوطين الوظائف بمشاركة العديد من الجهات وأهمها المستثمرون، وتم اعتمادها من وزير العمل حيث بدأ تنفيذ برامج التدريب بعد معالجة القصور فيها ووضع حقائب تدريبية وفقًا لمعايير مهنية بالتعاون مع جهات عالمية متخصصة في هذا المجال.
وأوضح الوشيل ان التدريب في مجال السفر والسياحة بدأ بنحو 500 متدرب كدفعة أولى وكانت الدراسة باللغة الانجليزية كما يتطلب سوق العمل السياحي. واضاف «نحن الآن بصدد عمل حقائب تدريبية لقطاعي الإيواء والجذب السياحي، ولدينا عروض من ثلاث شركات عالمية، لإعداد معايير وحقائب مهنية تدريبية في هذا المجال ومن المتوقع انجازها قريبا».
وفي ما يخص المحور الثاني من مشروع تنمية الموارد البشرية (التوعية المهنية)، لفت الوشيل إلى أنها تستهدف العاملين في القطاعات السياحية والمتعاملين مع السياحة مباشرة، سواء من القطاع الحكومي أو الخاص كما تمتد إلى المتوقع دخولهم سوق العمل من الشباب السعودي المستقطب في المجالات السياحية، كما تستهدف ولاة الأمور على أساس تحفيز أبنائهم المواطنين للعمل في هذا القطاع الواعد وتحفيز رجال وسيدات الأعمال المالكين لهذه القطاعات السياحية على قبول الشباب السعودي، خصوصا عندما يكون بمخرجات تشرف عليها الهيئة العليا للسياحة التي عملت بكل طاقتها بالتعاون القوي مع الشركاء الأساسيين في القطاعين الحكومي والخاص للخروج ببرامج ذات جودة عالية والبدء من حيث انتهى الآخرون على مستوى العالم، خصوصًا في ما يتعلق بمقررات ومناهج التدريب والتعليم من كبريات الجهات التدريبية في العالم.
وعن المحور الثالث من هذا المشروع الوطني الهام (الاستثمار في تنمية الموارد البشرية السياحية)، أكد الوشيل أنه من واقع الدراسات التي أعدتها الهيئة وجدنا أن هناك حاجة ماسة لإنشاء المزيد من كليات ومعاهد التدريب والتعليم على مستوى المملكة في المجالات السياحية، واضاف «سعينا من خلال المشروع الوطني إلى تشجيع وتحفيز المستثمرين بمميزات وحوافز عدة، بالتعاون مع عدد من الشركاء، وحرصنا على أن تساعد تلك الحوافز القطاع الخاص على تلبية احتياجاته من خلال كفاءات سعودية مؤهلة تحت إشراف الهيئة، الوقت نفسه عدم تعطيل أعمالهم لحين تلبية احتياجاتهم من الكوادر الوطنية المؤهلة على مدى السنوات المحددة بخطط التوطين».
وشدد على أهمية الاستثمار في الكليات والمعاهد السياحية، وقال إننا ولله الحمد توصلنا مع أكثر من شريك من القطاع الخاص إلى إنشاء معاهد تدريب جديدة في المجال السياحي سيساعد في تغطية جزء من النقص الحاصل في قطاعات التدريب والتأهيل للشباب السعودي في قطاع الإيواء، وقال إن مثل هذه المعاهد تأتي إيمانًا من المستثمرين بدورهم في تنمية السياحة وجدوى الاستثمار في تنمية الموارد البشرية السياحة".