أ. د. محسن بن علي فارس الحازمي*
تصحيح ثقافة المجتمع.. ضرورة للتنمية
في العصر الحاضر حققت ست دول قدراً من النمو لم يسبق تحقيقه في التأريخ، وتبوأت قمة الهرم في سلم النمو على المستوى العالمي، وحققت قدراً من النمو. وتوجد في المقابل، في قاع هذا الهرم، ست دول تعاني من مشقة توفير المتطلبات الأساسية للحياة اليومية لمواطنيها، وهذه المجموعة وتلك توجد دول أخرى تمر بمراحل انتقالية هبوطاً، من الأحسن إلى الأسوأ، أو صعوداً، من السيئ إلى الأحسن، وعدد آخر يُحاول حفظ التوازن بين الدخل والإنفاق يراوح مكانه في السلم المعياري.
ومن المعروف أن عوامل النجاح والفشل في طريق تحقيق الرفاه للمواطنين ومحددات المواقع ـ المستوى ـ هي التزام المؤشرات الاجتماعية مثل متوسط الدخل، المستوى الصحي، صحة البيئة، والتزام الأمانة. وفي هذه المجالات، ضربت أيسلندا، النرويج، الدنمارك، المثل الأعلى ويلاحظ أنها من الدول الصغيرة ومع ذلك تتفوق على الدول العظمى في هذه المعايير الحضارية.
وفي هذا الإطار، وضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي معايير للتقدم الحضاري من خلال عوامل تشمل التعليم (المستوى المعرفي) ومتوسط عمر الفرد (معيار صحي) ومستوى دخل الفرد ( معيار اقتصادي)، وبتطبيق هذه المعايير تأتي الدول الاسكندنافية في المقدمة، بينما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثامنة على سلم المعايير، وتأتي فرنسا في المرتبة الثالثة والعشرين على سلم المعايير. ذلك أن مستويات الصحة والاقتصاد تمثلان الأسس المحورية في تنمية القوى البشرية ونموها، وهي تخضع لمعايير صارمة في هذه الدول المتربعة على قمة الهرم، إضافة إلى أن التغاضي عن الفساد لا يُحتمل في هذه البلدان وهي لذلك تأتي في المقدمة.
ولتحقيق هذا القدر من التقدم الحضاري فإن الدول الاسكندنافية، اتخذت ثلاثة قرارات أساسية هي كما يلي:
أولاً: وضع مرتبة التعليم، والبحوث والدراسات العلمية في المقدمة وإعطاؤها أولوية مطلقة.
ثانياً: اعتماد التنمية لجميع أفراد المجتمع، حيث أصبح التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم للجميع، قاعدة وطنية.
ثالثاً: بناء قطاع خاص قادر على المنافسة على المستويات الإقليمية والعالمية، وهذا القطاع الخاص هو الذي يمثل حالياً من خلال شركات عالمية، كأريكسون ونوكيا.
ومع أن هذه الدول أيضاً تعتبر دولا غنية في مواردها إلا أنها لم تؤسس اقتصادها على المدى الطويل اعتماداً على هذه المصادر، فمثلاً آيسلندا لم تصبح من الدول الغنية اقتصادياً عن طريق بيع الأسماك ولكن عن طريق بيع التقنية اللازمة لإدارة مزارع الأسماك وصناعتها وتطويرها.
إذن، ماذا نستخلص من التجربة الاسكندنافية والآيسلندية، وكيف نرقى إلى مصاف هذه الأمم المتقدمة؟ أسئلة ليست الإجابة عليها بالصعبة والمحيرة، والوسائل ليست مستعصية، ومن الممكن أن تنطلق من وقفة صادقة يتم من خلالها تحليل الوضع الراهن وفي ضوئها توضع الاستراتيجيات والخطط المستقبلية وآليات العمل وتطبيقها بكل صدق وأمانة لندرك المواقع التي نستحقها بين الأمم عن طريق العمل الجاد والصدق مع النفس أفراداً وأسراً ومجتمعاً. ولا بد كذلك، من أن تشمل هذه الاستراتيجيات والرؤى تنمية المعايير الحضارية؛ التعليم، الصحة، والمستوى المعيشي، تصحيح ثقافة المجتمع لتصبح أكثر إيجابية في مختلف أوجه الحياة وتطوير المفاهيم، بدءاً من المنزل والمدرسة، وبنائها على أسس التكافل المجتمعي الإسلامي والنظام الأساسي للحكم؛ قولاً وفعلاً وتأصيل العمل بأخلاقياتنا وتنقية موروثاتنا وعاداتنا من الشوائب التي تراكمت عليها عبر فترات الظلام..
ما ذكرته أعلاه أمثلة لاتجاهات ناجحة وإجراءات مثمرة.. أضعها بين يدي من يهمه الأمر.. مع التحية والتقدير..
hazmigene1@hotmail.com