د. صدقة يحي فاضل
نظام عالمي/ غاشم..؟!
عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وزوال تكتل المعسكر الشرقي (حلف وارسو) في نهاية عام 1991م، كان أهم موضوع سياسي علمي مطروح للنقاش الاكاديمي والصحفى، هو "النظام العالمي"، بصفة عامة، والنظام العالمي الذي سيسود العالم بعد هذا الحدث الجلل، على وجه الخصوص. فعندما كان الاتحاد السوفييتي في عز قوته، كان "النظام العالمي" الذي ساد العالم، في الفترة 1945 – 1991م (حوالى 46سنة) هو نظام يطلق عليه علميا "نظام القطبية الثنائية الهشة"، وهو عبارة عن: عالم توجد فيه دولتان (أو معسكران) كبريان، كل منهما بدرجة "قطب" (Superpower) متناقضتان إيديولوجيا، ومتنافستان من حيث المصالح. لذلك، كانت العلاقات السوفييتية الأمريكية أساسها الصراع، وليس التعاون..
إن على كل مثقف (كي يكون كذلك بحق) أن يدرس مفهوم "النظام العالمي"، وتبعاته، ونتائجه، وأنواعه..الخ، ليعرف الخطوط العامة للسياسة الدولية الراهنة، أو المعاصرة، بالنسبة له.. حتى يتمكن من فهم واستيعاب السياسة القطرية والإقليمية والعالمية، بشكل أعمق وأوضح. فبدون فهم "النظام العالمي"، وأهم ما يتعلق به، لا يمكن فهم السياسة، فهما جيدا، وعلى كل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. وهناك "مراجع" كلاسيكية مبسطة كثيرة في هذا الموضوع، وبمختلف اللغات، منها كتب للأستاذين الأمريكيين "هانس مورجانثو "، و"مورتون كابلان"، وغيرهما.
وما زلت استغرب من نفور البعض من "شيء من الاكاديميا" في مجال فهم السياسة.. رغم بساطة أغلب النظريات السياسية، وقربها من المعلومات العامة. صحيح، أن فهم "السياسة" (بصفة عامة) يحتاج إلى عقل منفتح، ومتابعة ثاقبة، وتحليل منطقي. ولكن، لابد ان يضاف إلى كل ذلك: ضرورة الرجوع إلى النظريات العلمية الأهم، التي يقدمها علم السياسة والعلاقات الدولية، والتي بدون فهمها أولا، لا يمكن فهم حركة السياسة، المتواصلة على مدار الساعة. ودراسة هذه النظريات هي أمر ممتع، وبسيط وسهل. واستيعابها يوسع الأفق، ويكشف التحليلات الزائفة، والمغرضة، والعبثية، ويعري ما يعتبر سخافات سياسية دارجة.. يرددها بعض "المتعلمين"، وربما يعتبرونها قناعات راسخة، و"حقائق" لا تقبل الجدل..؟! وربما لا يعلمون أنهم بذلك يكونون في وادٍ سحيق.. والعالم المستنير (والفعلي) في وادٍ بعيد آخر..؟!
* * *
على أية حال، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجد العالم نفسه بـ"قطب واحد"، والقطب هنا (لحسن حظ البعض، وسوء حظ آخرين) هو أمريكا.. ولابد هنا من إشارة هامشية ضرورية، تتضمن التذكير بأن: "الدول" تتفاوت في "مدى" قوتها.. أو مستوى ما لدى كل منها من "قوة" (بمعناها الواسع). فبناء على ما لدى هذه الدول من عناصر القوة، تصنف دول العالم (تنازليا) إلى: دول عظمى (أقطاب)، دول كبرى، دول كبيرة، دول متوسطة، دول صغيرة، دول صغرى، دويلات.
وبالطبع، تكون "المقارنة" نسبية، لعصرها. وعلى هذا الأساس، ظهرت الولايات المتحدة (بعد زوال الاتحاد السوفييتي) كقطب وحيد (أقوى دولة نسبيا) في العالم، وتحول النظام العالمي إلى "منتظم القطب الواحد"، من "منتظم القطبية الثنائية"، وذلك حتى إشعار آخر. فدوام نظام عالمي واحد معين هو من المستحيلات، إذ لو دامت لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا وأسبانيا والبرتغال، لما وصلت للاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، ومن بعدهما إلى أمريكا، وحدها.
* * *
الشاهد، ماذا كانت تبعات ونتائج هذا الحدث الهائل؟!
كثيرة هي، بل تصعب على الحصر. ويمكن أن نقول: إن معظم ما نراه ونسمعه، ونلمسه من سياسات دولية راهنة هي من تداعيات ونتائج هذا التحول، وذلك التطور الذي حصل في "النظام العالمي".
وبالنسبة للأمريكيين (ولإسرائيل):
فهذا هو عصرهم الذهبي.. الذي يعملون دون شك على إطالته، لأقصى مدى ممكن. وذلك أمر مشروع لهم، إن لم يضروا (ويظلموا) آخرين. فمن البدهي أن يحاول الأمريكيون إطالة أمد تسيدهم (وصدارتهم العالمية) عبر كافة السبل، وفى مقدمتها: تقوية الذات الأمريكية، والمحاولة الدؤوبة لإضعاف القوى الدولية المنافسة لهم، والتي تحاول بدورها الصعود إلى القمة العالمية.. التي يقال دائما وبحق إن الوصول إليها أسهل من البقاء فيها.
وبالنسبة للعرب، وتوقعات المستقبل:
اذكر أننى كتبت، في عام 1991م، بحثا نشر في احدى الدوريات بالخارج، بعنوان: النظام العالمي الحالي والمستقبلي. وفيه قلت: "إن النظام العالمي الراهن (ذا القطب الواحد) سيتغير إلى: نظام "الأقطاب المتعددة".. لعدة أسباب، أهمها: الضعف النسبي لأمريكا، ووجود دول كبرى.. بدأت قوتها الاقتصادية والتقنية والعسكرية في التزايد.. الأمر الذي ينبئ بتطور هذه الدول، لتصبح دولا عظمى.. تتنافس مع الولايات المتحدة على قمة العالم الاقتصادية السياسية. وهذه الدول هي: الصين، الاتحاد الاوروبى، روسيا.. وربما اليابان. هذا، بالإضافة إلى استمرار أمريكا كدولة عظمى.. لتكون قطبا من عدة أقطاب، وليس قطبا منفردا بالصدارة..؟!
وما زلت على نفس الاعتقاد بأن ما ذكر يظل واردا، في المستقبل المنظور.
أما ضمن فقرة " النظام العالمي والعرب": فقد كان من ضمن ما كتبته (سنة 1991م) هو التالي: "لقد تجرع العرب قدرا كبيرا من المرارة.. في ظل الأنظمة العالمية السابقة.. ويتوقع أن يسقيهم النظام العالمي الحالي المزيد. فقد يكون "الأسوأ"، بالنسبة لهم. والواقع، أن من مصلحة العرب (كأمة) أن يتحول المنتظم الدولي الراهن إلى نظام التعدد القطبي.. إذ إن ذلك سيسهل التحلل من ربقة الأقطاب المعادية.. عبر إمكانية الاستفادة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة، المضرة بالمصلحة العربية العليا".
واترك للقارئ الكريم استعراض ما حصل للعرب، على يد النظام العالمي الحالي، منذ أكثر من عقد ونصف؟! وليعدد بنفسه (إن أراد) أهم النتائج لسيادة هذا النظام، بالنسبة للعرب..؟!
ويلاحظ أننا وضعنا "فاصلة" (/) بعد عنوان هذا المقال: لأن الصفة التي يجب أن يأخذها النظام العالمي الراهن (أو غيره) تعتمد على نظرة كل طرف معني على حدة. فهذا النظام غالبا ما يوصف (من قبل غالبية الأكاديميين) بأنه "غاشم"، بالنسبة للعرب، ولمن يكتوون بنيرانه، من غيرهم. ولكنه يعتبر "ممتازا" (ولاشك) بالنسبة للأمريكيين، و كل من يستفيد من وجوده، بشكل أو آخر. وفى العلاقات الدولية، كما هو في الحياة (على وجه العموم) كثيرا ما تصبح مصائب قوم عند قوم فوائد.. وفوائد قوم، عند قوم، مصائب..