أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
صراع الأشقاء في العراق
دخل الصراع بين مقتدى الصدر ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مرحلة مهمة من كسر العظم، بالرغم من أن كلا الطرفين حاول أن يظهر أمام الرأي العام أنه يميل إلى التهدئة. فبعد أسبوعين من القتال الشرس بين الجيش العراقي وجيش المهدي في البصرة وضاحية الصدر في بغداد، تم تدمير الكثير من المباني خاصة في مدينة الصدر، وقتل حوالي 1500 مقاتل من كلا الطرفين.
والحقيقة أن المراحل الأولى من القتال في البصرة كانت حصراً على مواجهة بين القوات الحكومية ومقاتلي جيش المهدي، غير أن الضعف الشديد الذي أبدته القوات الحكومية في أدائها القتالي، ولجوء بعض من مقاتليها بأسلحتهم إلى قوات المهدي، كاد أن يفشل خطة المالكي العسكرية بالكامل، لولا تدخل الجيش الأمريكي، ودعمه اللوجيستي الكامل على الأرض للجيش العراقي بعد أن كان الدعم اللوجيستي في البداية مقتصراً على قوات جوية أمريكية.
ولقد طرأ على خطة نوري المالكي بعض التغيير، فبعد أن كان القتال يدور في البصرة وفي المدن الجنوبية للاستحواذ على الثروة النفطية. وبعد فشله في هذه المهمة، عدّل المالكي من إستراتيجيته وبدأ في محاصرة ومقاتلة جيش المهدي في العاصمة العراقية، بغداد.
كما أن مقتدى الصدر قد أظهر براعة سياسية كبيرة، فبعد أن رأى أن كفة أنصاره بدأت تفقد الغلبة، خاصة في مدينة بغداد، سعى إلى تهدئة الأمور، وعرض أنه يمكن أن يستجيب لآراء العلماء والفقهاء في مسألة تفكيك جيشه وتخليهم عن السلاح والعتاد. بيد أن هذه المقولة ليست إلا مناورة سياسية من قبل مقتدى الصدر، فهو يعلم أنه لا يمكن أن يسمح بنزع سلاح مليشياته، خاصة أن المليشيات الأخرى ما زالت تحتفظ بأسلحتها، فمن غير المعقول أن يتخلى جيش المهدي طواعية عن سلاحه وعتاده. ولكن مقتدى الصدر أظهر دهاءً سياسياً كبيراً، فقبل عام مضى دخل في صراع عسكري ضد القوات الأمريكية، وحينما رأى أن قواته العسكرية غير قادرة على مقاتلة تلك القوات، عاد وأعلن تجميد عملياته العسكرية لمدة عام. غير أن حملة المالكي الأخيرة في البصرة أجبرت هذه المليشيات على التخلي عن تجميدها للأعمال العسكرية، لأنها أصبحت في تموضع دفاعي داخل أحياء البصرة، وعدد من المدن الجنوبية.
وربما كانت إيران أكبر كاسب من هذا التقاتل بين الفصائل الشيعية في الجنوب وبين حكومة المالكي، فقد استطاعت أن تبذل وساطتها وتفعّلها بين الجانبين وخلال أسبوع واحد، وقّع الطرفان على اتفاقية في مدينة (قم) تم بموجبها إعلان وقف إطلاق النار بين الجانبين، بالرغم من معارضة الحكومة الأمريكية لمثل هذا الاتفاق. وقد فسّرت الحكومة العراقية هذا الموقف بأنه مقتصر على مدينة البصرة والمدن الجنوبية من العراق، أما منطقة بغداد فإنه لا ينطبق عليها.
وقد تغيّرت نبرة الخطاب السياسي للمالكي، ففي البداية توجه المالكي شخصياً إلى مدينة البصرة ليشرف على العمليات القتالية، إلا أن خذل مقاتليه له جعله يتردد كثيراً ويقبل بالوساطة الإيرانية، غير أن مساندة القوات الأمريكية له خاصة في حربه في مدينة الصدر، قد مكنته مرّة أخرى ليأخذ موقفاً متشدداً ويحاول أن يملي شروطه في عدم السماح لمقتدى الصدر وأنصاره في المشاركة في الانتخابات المحلية المقبلة، إذا هي لم تلتزم بحل المليشيات المسلّحة.
المعركة بين الجانبين لم تنتهِ، وربما يعلن أحد الطرفين هدنة مؤقتة، ويؤجل القتال إلى تاريخ مستقبلي. فكلاهما يريد الاستحواذ على السلطة في بغداد، وإن تشاركا فيها مؤقتاً، وكلاهما يريد قطعة متعاظمة من مواد النفط الغنية في البصرة. وبينما تحاول الولايات المتحدة السعي إلى تهدئة سياسية في جميع مناطق العراق لتمكين الجيش الأمريكي من سحب بعض وحداته خلال هذا الصيف، فإن إيران تحاول أن تفعّل الورقة العراقية في تفاوضها المستمر مع الولايات المتحدة لكسب مزيد من التنازلات الأمريكية.