هل ابتدأ أفول عصر الهيمنة الأمريكية ؟
لاجدال، بأن الصورة العامة للوضع العالمي، تنبئ بأن العالم أصبح أكثر من أي وقت مضى وحدة لا تتجزأ، فالدول والمجتمعات جميعها اصبحت تنتمي الى منظومة عالمية واحدة مندمجة مع تباين المواقع التي تحتلها في هذه المنظومة ذات الابعاد الاقتصادية والبيئية والثقافية. في مجرى التطور التاريخي لمنظومة الاقتصاد العالمي كانت هنالك على الدوام دولة مركزية، هي بمثابة النواة المسيطرة فيها. منذ قيام الثورة الصناعية وحتى الحرب العالمية الاولى، كانت دولة المركز في المنظومة العالمية هي بريطانيا، ثم اخذت بلدان اخرى تزاحمها على هذا الموضع، وهي الولايات المتحدة الامريكية بدرجة اساسية، وفرنسا وايطاليا بدرجة اقل، وعلى اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، انفردت الولايات المتحدة بدور الزعامة المطلقة، مستفيدة من دورها في هزيمة محور برلين – طوكيو، وتضعضع مواقع بريطانيا وفرنسا نتيجة الحرب، والذي تعمق إثر انهيار نظام سيطرتهما الاستعمارية ( الكولينيالية ).
الإمكانيات الهائلة التي تمتعت بها الولايات المتحدة، يرجع في جزء منها، الى النمو العاصف للإنتاج الصناعي المدني والعسكري لتلبية مطالب الحلفاء أثناء الحرب، ثم متطلبات إعادة بناء ما دمرته الحرب في أوروبا واليابان بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، كما ان بنيتها( الصناعية والمادية ) التحتية ظلت سليمة تماما ،إذ لم تجر أية عمليات حربية على الأراضي الأمريكية طيلة الحرب العالمية الثانية بل و في جميع الحروب التي خاضتها.
وتمكنت الولايات المتحدة من فرض عملتها ( الدولار ) إزاء العملات الأخرى في العالم باعتبارها العملة الأساسية للاحتياط والتداول، كما رسخت هيمنتها على صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإعمار، واحتلت المنتجات والسلع الأمريكية، مكان الصدارة في العالم لما تتمتع به من تقنية وانتاجية وجودة عالية، واتسع على نطاق واسع تغلغل نشاط الشركات ورؤوس الأموال الأمريكية في الخارج، مثل أوروبا واليابان وأمريكا اللاتينية ( التي كانت بمثابة حديقتها الخلفية ) ثم بقية قارات العالم، وقد جنت الشركات الأمريكية الإحتكارية الأرباح الطائلة، من جراء استثمارها وسيطرتها على الموارد الحيوية للبلدان الأخرى وفي مقدمتها النفط.
وعلى الصعيد العسكري أصبحت الولايات المتحدة الامريكية القوة العسكرية الأولى في العالم وقادت منظمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) طيلة فترة الحرب الباردة والإستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي ساد العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية
وقد حافظت الولايات المتحدة على مكانتها و عززت تفوقها الكاسح بدون منازع، في حين كان ( الحليف المؤقت السابق) غريمها الكبير المتمثل في الاتحاد السوفيتي،الذي خرج بدوره منتصرا في الحرب العالمية الثانية، لكن بأثمان وتكلفة مادية واقتصادية وبشرية هائلة، مما فرض عليه الإنكفاء، و الإنشغال في إعادة بناء ما دمرته الحرب في بلاده، وتحصين مجموعة الدول الأوروبية التي انضوت معه في إطار ماكان يعرف بدول المعسكر الإشتراكي أو ماوراء " السور الحديدي " وفقا للتوصيفات الغربية، والتي لم تكن في الحقيقة بعيدة عن هذا الواقع، في ظل هيمنة المركزية والبيروقراطية الشديدة الوطأة، والتي طالت مفاصل السياسة و المجتمع والإقتصاد والثقافة، و ما تكشف من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، والتي أدت في الأخير إلى تفككه وانهياره السريع، رغم كل النجاحات المذهلة التي حققها في فترات سابقة.
استمرت الولايات المتحدة في مكانتها وتفوقها حتى بداية السبعينات، حيث أخذت تبرز عوامل داخلية وخارجية، شكلت المقدمات لتآكل تدريجي لمصادر قوتها وهيمنتها الكونية الشاملة.
على الرغم من الإستنتاجات المتضاربة، والمتباينة، حول واقع الاقتصاد الأمريكي، في ظل ما بات يعرف بأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وتداعياتها التي شملت الداخل الأمريكي و مجمل الإقتصاد العالمي، غير ان المعطيات الإقتصادية المتوفرة، تبين أن ماهو ظاهر حتى الان، ليس سوى قمة رأس الجليد، و بإن الأزمة الإقتصادية الأمريكية الراهنة أكثر عمقا من حيث حجمها وسعتها وإفرازاتها وقد تفوق من حيث نتائجها وإفرازاتها الخطيرة أزمة الكساد الكبير التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في الثلاثينات من القرن المنصرم. تبرز مؤشرات جدية على أن الأزمة تعدت كونها أزمة رهن عقاري، أو أنها تندرج ضمن الأزمة الدورية ( القصيرة أو المتوسطة ) للرأسمالية، إنها تتطور نحو أزمة هيكلية، قد تدوم وقتا طويلا، و سيعاني منها الإقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي (بفعل العولمة) بمستويات مختلفة، مالم تتغير الاساليب والسياسات والإستراتيجيات المعمول بها في الولايات المتحدة، والعالم، وخصوصا تلك التي ينتهجها المحافظون والليبراليون الجدد. وللحديث صلة.