آفة المخدرات
كنت أهم في الكتابة عن موضوع آخر لكن استرعى انتباهي خبر ترؤس سمو وزير الداخلية لأول اجتماعات اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات يوم الثلاثاء الماضي, وتصريح سموه بأن المملكة أكثر دولة تهرب لها المخدرات وأن أرقام الكميات المهربة "مهولة". ناهيك عن أن الحرب على المخدرات خلفت 400 شهيد من رجال الأمن, الذين يقدمون أرواحهم في سبيل حماية المجتمع من خطر الإدمان الداهم.
مما لاشك فيه أن المخدرات وباء يهدد أمن المجتمعات في جميع بلدان العالم, فهي إهدار للمال وعبث في الصحة ودمار للهمة, تصرف متعاطيها عن التفكير السليم والتدبر العقلاني للأمور لأنها بكل بساطة تذهب العقل وتدمر خلاياه. إضافة إلى ما ينتج عنها من استخدام للعنف. فقد ذكر سمو الوزير أن كثيراً من الإرهابيين الذين تم القبض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية كانوا من متعاطي المخدرات. بل أن تعاطي المخدرات مدعاة لنمو وتيرة العنف الأسري والمجتمعي, والممارسات الأخلاقية المنحرفة. فعندما يذهب الضابط العقلي والأخلاقي لدى الفرد فإنه يتصرف بطريقة غير مسؤولة.
مكافحة المخدرات مسؤولية تقع على عاتق الجميع وتتطلب تضافر الجهود الرسمية وغير الرسمية, فهي لا تتوقف على ما تبذله أجهزة الأمن من جهود جبارة في هذا المجال, لكنها تتجاوز ذلك إلى التنشئة الأسرية والتربوية داخل المؤسسات الأولى التي يتواجد في أحضانها الفرد, بدءًا من الأسرة والمدرسة والكلية والجامعة, إلى الصحبة وبيئة العمل. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن التركيز على الوقاية في مثل هذه الحالة أهم من العلاج رغم أهميته. التركيز على تحصين الفرد لجعله بعيدا عن شرور المخدرات يشكل اللبنة الأهم في محاربة آفة المخدرات, فكثير من ممارسات الفرد وعاداته وقيمه تتشكل في مراحل متقدمة من عمره, ناهيك عن أن عامل التأثر والاستجابة لديه تكون أكبر خلال هذه الفترة العمرية. من هنا يأتي دور التربية الأسرية والتوعية المجتمعية من خلال المؤسسات الأخرى كالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام في سبيل زرع القيم والوعي المطلوب للحيلولة دون الانحراف السلوكي.
وإذا كانت مسألة الوقاية مهمة, فإن تأهيل متعاطي المخدرات من الأهمية بمكان أيضاً. ورغم وجود الدور المخصصة لذلك إلا أنها من وجهة نظري لا تفي بالعدد المطلوب لاسيما في ظل كثرة المتعاطين وكون الكثير من الحالات تحتاج إلى فترة علاج طويلة نسبياً ومتابعة مستمرة. خاصةً وأن وجود المستشفيات المتخصصة في هذا الشأن بالعدد الكافي له دور في إنقاذ الكثير من أفراد المجتمع من براثن هذه الآفة المهلكة والمساعدة في إعادتهم إلى جادة الصواب, ليصبحوا أعضاء صالحين في بناء مجتمعهم, ورعاية أسرهم.
إن من الجوانب المهمة في هذا الشأن أيضاً اتفاقية التعاون التي وقعت بين لجنة مكافحة المخدرات والصندوق الخيري الوطني كي يقوم الأخير بتمويل احتياجات المتعافين من مرض الإدمان من تدريب وتأهيل كي يتم إدخالهم لسوق العمل مرة أخرى. تقديم القروض وفرص التعليم والعمل والتوعية للمتعافين من الإدمان هو في الحقيقة حلقة مهمة في سلسلة جهود مكافحة المخدرات ودرء خطرها على المجتمع, وأعتقد أن على المؤسسات الخاصة, أياً كانت طبيعتها تجارية أو تعليمية...الخ, المشاركة فيها لأن المردود النهائي يعود على المجتمع والمصلحة العامة.
نحن ندرك أن المخدرات جريمة منظمة تهدد أمن المجتمع وتؤرق صناع القرار فيه, لأنها ترتكز على جهود جماعية وفردية في نفس الوقت, وقد يكون خلفها أيد خفية لها أهداف بغيضة تهدف إلى النيل من قيم المجتمع وتعطيل طاقاته, لذلك فإن مسؤولية التصدي لها تقع على عاتق الجميع, يكمل فيها دور الفرد ما تبذله أجهزة الدولة الرسمية. ولعل دور الفرد لا يقتصر على التوعية والتربية بقدر ما يتضمن أيضاً عدم إتاحة الفرصة للعمالة الأجنبية, خاصةً غير الشرعية وغير المسؤولة منها, للنيل من استقرار المجتمع.
knhabbas@hotmail.com