الليبرالية.. أو المفهوم الأكثر تداولا في المجتمع
قراءة: شايع بن هذال الوقيان
الكتاب الذي سنقرأه اليوم صدر حديثا (2007م) للدكتور ياسر قنصوة بعنوان “الليبرالية” وهو يمثل العدد التاسع من الموسوعة السياسية للشباب والتي تصدر عن دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. وقد استكتب رئيس التحرير سعيد اللاوندي الدكتورَ ياسر قنصوة بوصفه باحثاً جاداً في الليبرالية كمفهوم وكمذهب تاريخي له أسسه ومبادئه التي انطلق منها . وبالمناسبة فللدكتور قنصوة كتابان عن الليبرالية قبل هذا الكتاب وهما : “مفهوم الحرية في الليبرالية المعاصرة”، و“كتاب الليبرالية : إشكالية مفهوم” . وتعتبر كتبه ذات فائدة عظيمة لمن يريد أن يفهم الأسس الفلسفية والمبادئ الأخلاقية والأصول التاريخية لليبرالية . ولكن على القارئ ألا يكتفي بمصدر (كتب أو مقالات) واحد في التعرف على الليبرالية. فثمة وجهات نظر كثيرة –معارضة ومؤيدة– تحتاج من القارئ إلى أن يقف على ما فيها من آراء وأفكار .
كان الهدف من نشر كتاب يتناول مفهوم الليبرالية ضمن سلسلة هذه الموسوعة إضاءةَ هذا المفهوم الذي أصبح من أكثر المفاهيم الفلسفية والسياسية تداولاً في العالم اليوم وخصوصاً في عالمنا العربي ومجتمعنا السعودي. فكثير من الآراء التي تصدر أحكاماً خاطئة ومضللة ضد الليبرالية ناتجة إما عن سوء فهم وتصور، وإما عن سوء نية وطوية. وسـندفع بالتي هي أحسن؛ ونعتبر ما يحدث من فوضى واضطراب في الأحكام هو نتيجة لسوء الفهم والتصور. فالحكم على شيء فرع من تصوره كما يقال. وأرجو أن يكون عرضي دافعا لقراءة هذا الكتاب وغيره من الكتب الموضوعية المحايدة التي تمتلئ بها مكتباتنا ولكن تأبى أهواؤنا وتحيزاتنا إلا أن نلتقط منها ما يؤيد وجهات نظرنا المعارضة لليبرالية أو المنادية إليها. وها هو عرض موجز وسريع للكتاب:
في محاولة المؤلف لكي يحلل المفهوم لغويا وتاريخيا يبدأ بتأكيد حقيقة أن الممارسة الليبرالية سابقة لصياغة المفهوم. بمعنى أن الناس قد مارسوا الليبرالية فعلاً قبل أن يعرفوا هذا المصطلح أو قبل أن يصاغ صياغة علمية محددة. والممارسة الليبرالية في أوروبا (مع يقيني أن ممارسات ليبرالية قديمة قد تمت في التاريخ العربي الإسلامي وإن كانت ناقصة) جاءت في البداية تلبيةً لدوافع اقتصادية في المقام الأول. فمن المعروف في التاريخ الأوروبي أن تقييد الحريات إبان سيطرة الإقطاع والكنيسة لم يكن مقتصراً على الحريات الفكرية والعقدية والسياسية بل والاقتصادية.
وعليه فقد أقامت الليبرالية -كثورة اجتماعية وسياسية على الطغيان– دعوتَها على الحرية؛ الحرية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والعملية.. فالحرية ينبغي أن تتاح لجميع المواطنين بشرط ألا تلحِق حرياتهم الأضرار بحريات الآخرين وبأمنهم. وهذه المبادئ كما قلنا جاءت صياغةً لممارسات تاريخية ليبرالية كالثورات الاجتماعية والاقتصادية التي انتزعت بها الشعوب حرياتها من سلطة الإقطاع والكنيسة.
يؤكد المؤلف –كما في كتابيه الآخرين– أن لليبرالية أساسين فلسفيين لا غنى عنهما: الحرية والفردية. فالفردية هي الصيغة المعتمدة لفهم كافة التوجهات الليبرالية. ولكن يجب أن ننتبه إلى أن الفردية وحق التفرد والتميز وإعلاء قيمة الفرد وحريته لا تعني الفردانية الذاتية المتطرفة والقطيعة مع المجتمع كما يزعم البعض. فالليبرالية هي محاولة لفهم وإعادة تأسيس العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع على أسس جديدة حددها المؤلف في ثلاث نقاط: الإيمان بالفرد كقيمة عليا وبحريته وحقوقه والإقرار بأن للفرد حقوقاً طبيعية مستقلة عن المجتمع والدولة وإن على الدولة حمايتها وصونها من عبث العابثين وتدخّل الآخرين ممن يرمون إلى السيطرة على الفرد من أجل استخدامه كوسيلة لغاياتهم الخاصة. والثالث هو الاعتراف بالحرية لكل مواطن.
ثم توقف المؤلف طويلا من أجل استعراض تاريخ الليبرالية متمثلاً في روادها وفلاسفتها ومن أشهرهم توماس هوبز الذي دعا للفردية وفسر الاجتماع السياسي بما صار يسمى بالعقد الاجتماعي، ولكن مشكلة هوبز أنه ينطلق من فكرة متشائمة وهي أن أصل الإنسان هو الشر والعدوان ولا بد ـ بناءً عليه ـ أن تنشأ حكومة قوية صارمة يتنازل لها الأفراد عن حقوقهم السياسية من أجل حماية بعضهم من بعض. ولكن جون لوك رفض هذا المبدأ وقرر أن الحب والتسامح والخيرية والحرية المطلقة هي أصل الكينونة الإنسانية ولا بد من إقامة مبدأ العقد الاجتماعي عليها. فإذا كانت الدولة عند هوبز خيراً، فهي عند لوك شر لا بد منه، كما يقول زكي نجيب محمود. ومن الرواد أيضاً جون ستيوارت مل “المنفعة” وتوماس هل جرين “المواطنة” وإيمانويل كانط “الأخلاق الفردية أو تأكيد حرية واستقلال الإرادة الفردية للإنسان” و بنتام و هيوم وفلاسفة التنوير وغيرهم.