البروفيسور أوغلي ومستقبل المنظمة
استضافت عكاظ في منتداها العتيد يوم الأحد الماضي معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي (البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلي) الذي يجمع في شخصه الكريم تركيبة فكرية وإنسانية فريدة فهو تركي الأصل والمحتدّ، عربي المنشأ والهوى، إسلامي التوجّه، وعالمي الثقافة والحضور. وهو يجيد عدّة لغات حيّة غير التركية ولكنه يتميّز تميزاً واضحاً في اللغة العربية التي نمت معه منذ الطفولة بحكم مولده في القاهرة سنة 1943م وتدرّجه في سلّم التعليم المصري حتى الحصول على درجة الماجستير في الكيمياء من جامعة عين شمس سنة 1970م. وهو بهذا يكون قد ولد وترعرع في أتون التيارات والتقلبات السياسية الفكرية والصراعات العقائدية التي اكتوت أمتنا العربية بنيرانها ووظّفت في حقبة الستينيات توظيفاً رخيصاً من قبل الدول الكبرى في حربها الباردة حتى أصبح التوجّه العروبي للأسف الشديد مرادفاً للماركسية والتوجه الإسلامي مرادفاً للعمالة الأمريكية. ومع استمرار الصراع بين التيار العروبي والإسلامي أو بين الشرق والغرب فقدت الأمة العربية هويتها وتزايدت أعلام أقطارها في الأمم المتحدة ومازالت مرشّحة للمزيد، وتلاشى بالتالي الأمل في توحّدها لتبقى الأمة الوحيدة المشتتة في المنطقة رغم أن كافة الأمم التي تعيش حولها أصبحت موحدة ومستقلة ترفع علماً واحداً وآخرها (الأمة الكردية) التي استطاعت أن توجد لنفسها موطئ قدم في شمال العراق لتبدأ صراعاً مع تركيا وإيران قد يطول أو يقصر لإقامة دولة (كردستان الكبرى). ومع تهاوي الأمة وتشتتها تهاوت معها كافة منظمات العمل الجماعي التي كانت تمثل في وقتها الأطر الرسمية لخنادق ومتاريس الصراع لمختلف التيارات في صراعها وسباقها نحو الهاوية، فأصبحت منظمات وتحالفات العمل العربي والإسلامي والخليجي والمغاربي لا تمثل بالنسبة للمواطن العربي أكثر من مجرد شواهد قبور لآمال وطموحات الأمة ورموز سوداء لمدى الخيبة والتردّي التي مازالت تتخبط فيها.
وحينما تم انتخاب البروفيسور أوغلي أميناً عاماً لمنظمة المؤتمر الإسلامي في يناير 2005م كان يعلم جيداً أن مهمّته صعبة للغاية بل قد تصل حدود المستحيل إذا ما تعامل مع المنصب - مثل غيره - كمصدر للرزق واكتفى باتخاذ موقف دفاعي سلبي بصفته مجرد أمين عام لمنظمة تعكس إرادة الدول التي تمثلها، وذلك لأنه عاصر العمل الإسلامي عن قرب كمفكر ناشر لعدد من الكتب والمقالات في الدفاع عن الأمة وكمدير عام مؤسس لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) في اسطنبول عام 1980م. فقد كان عاقداً العزم على نقل المنظمة من موقع المراقب للأحداث إلى موقع المتفاعل والصانع لها فأخذ يتحين الفرصة المناسبة لتقديم نفسه ومنظمته للجميع بالوجه الجديد الذي حدد ملامحه في أول وثيقة تمثل ورقة العمل التي يعتزم تطبيقها لتحقيق أهداف المنظمة وغاياتها البعيدة، ومن حسن الحظ أن الريح كانت مواتية والربان كان ماهراً فطناً ليلمح بصيص ضوء وبارقة أمل بعيد في كلمة ألقاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان ولياً للعهد حينها في وجوه وأعيان الحجيج ذلك العام وأبدى فيها حزنه العميق على ما آل إليه أمر المسلمين من تشتت وضياع ودعا إلى عقد قمّة استثنائية للزعماء المسلمين في مكّة يسبقها لقاء لكبار العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي لتلمس مواطن الخلل وتوفير متطلبات النجاح. وما أن التقط البروفيسور أوغلي الإشارة حتى حّولها إلى ضوء ساطع مبهر واعتبرها إشارة واضحة قويّة للإبحار بقوّة وبادر على الفور بجمع مئة من كبار العلماء والمفكرين المسلمين في مكّة ليقدّم لهم وثيقة أخرى تتضمن خطّة عمل وتصورا واضحا لما يراد منهم بحثه ومناقشته، وكانت النتيجة أن عقدت الدورة الاستثنائية الثالثة لمؤتمر القمّة الإسلامي في مكّة المكرّمة يومي 7 و 8 ديسمبر 2005م التي افتتح بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عهده الميمون – بإذن الله- كملك للمملكة العربية السعودية ليقدّم فيها البروفيسور أوغلي وثيقته الثالثة التي تعتبر الأهم في تاريخ المنظمة والتي تتضمن (الخطّة العشريّة) التي تحتوي على أهداف وغايات تفصيلية محددة في المسائل السياسية، والدينية، والثقافية، والاقتصادية والصحّية وحتى العلمية والتكنولوجية. وفي تلك الدورة تم الإعلان لأول مرة عن اعتراف كافة الدول الإسلامية بالمذاهب الإسلامية الثمانية واحترامها وكذلك احترام كافة الأديان والمعتقدات للشعوب غير الإسلامية.
وبمجرد انتهاء جلسات المؤتمر تحوّل مقر المنظمة إلى خلايا عمل نشطة تتحرك عناصرها في كافة الاتجاهات حتى أصبحت المنظمة في وضع تنافسي وتفاوضي قوي بصفتها ثاني اكبر منظّمة سياسية في العالم بعد الأمم المتحدة وأصبحت تشارك –قدر المستطاع- في صنع القرار العالمي وفي كافة الجهود التي تبذل في المجالات السياسية والإغاثية والصحية وحتى في مجالات حقوق المرأة والأقليات.
ويعلم البروفيسور أوغلي أنّ جهوده حتى الآن قد أثمرت نجاحاً واضحاً على مستوى الأطر التنظيمية والإجرائية بما فيها مجمع الفقه الإسلامي الذي اختار لأمانته علماً من أعلام الفقه هو العالم الجليل الدكتور عبدالسلام داود العبادي، ويعلم أيضاً أنه يقف الآن على مفترق طرق هام تتنازعه أولويات هامّة على عدّة مستويات أهمها الإستراتيجي وذلك بالعمل على إنجاز صيغة فعّالة للتعايش بين المسلمين على المستويين القطري والجماعي لضمان استقلال وسيادة الدول الأعضاء من خلال نزع فتائل الحروب الأهلية الطائفيّة والإثنية والمصلحية لتحصين الأمة ضدّ الفيروس الأجنبي الذي مازال ينخر في عظامها، وأدناها المستوى الاجتماعي والاقتصادي والصحّي لعموم المسلمين خاصة في مناطق الكوارث والأمراض الوبائية والفقر المدقع والأقليات المضطهدة.
إن النقلة النوعية التي حققها البروفيسور أوغلي في العمل الإسلامي من خلال ترؤسه لأمانة المنظّمة هي نقلة جديرة بالاهتمام ومازالت الأمّة تنتظر منه المزيد وكلّنا على ثقة بأن لديه المزيد يساعده في ذلك تواضعه الجمّ ومعرفته الواعية بحدود إمكانيات المنظمة التي يقف على قمّة هرمها، والثقة الجماعية التي أولاه إياها الزعماء المسلمون في مؤتمرهم الأخير في داكار بتجديد ولايته فترة أخرى، فليمدّ الله في عمره وليبارك في خطواته لتعيش معه أمة (المليار) عهداً زاهراً في العمل الإسلامي المنظم المسنود والمبارك من الله عزّ وجلّ أولاً ثم من كافة أبناء الإسلام أفراداً وزعماء، صُدقٌ في التوجه صحاح في النيّة، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز –أيده الله ورعاه.
altawati@yahoo.com