أ. د. صالح عبدالرحمن المانع
هل هناك حرب ثقافية ضد الإسلام ؟
يبدو هذه الأيام أن هناك حملة شعواء إن لم نقل حرباً ثقافية موجهة ضد الإسلام، فتتبارى الصحف الأوروبية على إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما وردت بعض الأنباء أن رواية سلمان رشدي الهزيلة المعنونة "بآيات شيطانية" ستعرض على أحد المسارح الألمانية، أما الطامة الكبرى فهي إصدار البرلماني الهولندي (جيرت ولدرز) فيلم (الفتنة). والحقيقة أنني لم أر هذا الفيلم، ولكني قرأت تقريراً كاملاً عنه، والفيلم يحاول ربط الأعمال الإرهابية بسور قرآنية، كما يتعرض لمسألة (الرجم) للمحصنين، وكذلك تعامل الإسلام مع المثليين، وتحريمه وتجريمه لمثل هذه الأعمال الشائنة، كما يتعرض الفيلم في نهايته إلى وضع الإسلام في هولندا، وينتقد تصرف الحكومة الهولندية وقوات الشرطة فيها، التي يقول انها تحترم المساجد والمراكز الإسلامية فيها. والحقيقة أن مسألة رجم الزاني والزانية، موجودة كذلك في التوراة، (آية دوتورونومي 22) وكذلك في حرب اليهود ضد الكفار من أبناء الديانات الأخرى (آية دودوتورونومي 20). ولم يتفوه أحد بأن الديانة المسيحية، أو الديانة اليهودية ذات طابع إرهابي، كما يفعل (ولدرز)، وكما يفعل آخرون مثله ممن نشروا عدداً من الأفلام المعادية للإسلام مثل (فيلم المهووسون،الإسلام الراديكالي والحرب ضد الغرب)، وفيلم (الخضوع) الذي وضعه المخرج الهولندي (ثيوفان جوخ)، وكذلك الفيلم البريطاني (المساجد الخفية)، الذي يتعرض لخطب بعض أئمة المساجد المتشددين في بريطانيا. ويجب على كل باحث أن ينظر في أسباب هذه الحملة الشعواء ضد الإسلام وتصويره بكل الصور المقذية والمؤذية. ويعود ذلك في رأيي إلى عدة أسباب. أولها أن القيم الأوروبية القديمة التي تقوم على إحترام الثقافات والحضارات والقيم الإنسانية المختلفة، قد تلاشت وللأسف. وحلتّ محلها قيم عنصرية وثقافية أحادية جديدة، تريد أن تطبع العالم بطابعها، وأن تجعل العولمة ذات بعد إمبراطوري واحد.
كما أن التنافس بين الديانة الإسلامية والكاثوليكية بات على أشدّه، خاصة في أفريقيا، وكذلك في الصين. وأصبح عدد المسلمين اليوم (حسب بعض الإحصائيات الأخيرة الموثوقة) أكبر من عدد الكاثوليك في العالم. ومثل هذا التنافس يلقي بظلاله على المؤسسات الدينية في الغرب لإعطاء بُعد سلبي، وصورة سيئة عن الإسلام وحضارته. وهناك العديد من رجال الكنيسة، خاصة الكنيسة الإنجيلية، الذين وقفوا ضد هذا التغير الايديولوجي في السياسات الكنسية. وليدلل المرء على مثل هذا التحول الأيديولوجي، فإنه من الضروري الإطلاع على بعض الكتب التي ألفها البابا الحالي (البابا بندكت الخامس عشر) قبل توليه السلطة البابوية.
وللحق فإن معظم من يكتب وينشر الأفلام المسيئة للإسلام هم من اللادينين، أو ممن يعيشون على هامش الكنيسة. فأسباب مثل هذا الاندفاع هي أسباب سياسية في المقام الأول. فجزء منها هو لتضليل الشعوب الأوروبية والأمريكية عن إدانة إسرائيل ومجازرها ضد الفلسطينيين. فاستخدام كلمة (الفاشية الإسلامية)، أول مرة كان من قبل كتّاب إسرائيليين أو متعاطفين مع إسرائيل (دانيال بايبس وآخرون). كما أن العامل النفسي في التخوف من تزايد أعداد المسلمين وهجرتهم المتزايدة إلى أوروبا، من شمال أفريقيا ومن شبه القارة الهندية، قد أصاب بعض العنصريين الأوروبيين بحمى الخوف من هؤلاء المهاجرين وديانتهم، ونظرتهم للحياة. كما أن عدم إندماج هؤلاء المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة وعدم تكيّفهم مع القوانين الأوروبية، جعلهم مهمشين وشبه منبوذين من بقية أبناء تلك المجتمعات. وقد ساهم بعض المسلمين أنفسهم في أوروبا بمثل هذه الحال. فعاش بعضهم على المعونات الحكومية، وعزف بعض شبابهم عن العمل، وتفشت في بعض تجمعاتهم بعض الممارسات الموجودة في المجتمعات الفقيرة، أو ما يسمى بأخلاق البروليتاريا الصغيرة. ولكن الشيء الأهم من ذلك كله هو ربط الوضع العالمي المتأزم بالوضع الأيديولوجي السائد. فمثل هذه الأيديولوجيات المعادية لكل مسلم لم تكن لتظهر لولا وجود حروب حقيقية ساخنة ضد بعض البلدان الإسلامية. ففلسطين تئن من حرب شرسة ضد الفلسطينيين، وعدد القتلى من المدنيين في تزايد في كل من العراق وأفغانستان.
والسؤال المّر الذي يجب أن نسأله، هو هل هناك صلة بين الحرب الساخنة ضد البلدان العربية والإسلامية، وبين الحرب الباردة المتمثلة في الحرب الثقافية ضد الإسلام، ولاشك أن هذه الحرب الباردة ماهي إلا الوجه الآخر من الحرب الساخنة التي تدور رحاها في بعض البلاد الإسلامية.