وقت للكتابة
نحتفي بجاسم سلمان
أمير تاج السر
تحدثت من قبل كثيرًا عن مسألة الكتاب الأول وتداعياته عند أي مبدع. أن تكتب كتابا، وتموله من مالك الخاص ليخرج إلى القراءة، ثم تجلس مضطربا تنتظر أن يمدحك أو لا يمدحك أحد، أن يشجعك أو لا يشجعك أحد، وربما تطارد ناشرك باستمرار، سائلا عن أحد اشترى الكتاب أو ما يزال ذلك الكتاب راكدًا في رفوف الدار لم يمسَسْه أحد.
جاسم سلمان واحد من الشباب القطريين الذين كتبوا رواية أولى والآن توزعت تلك الرواية على الكثيرين، ومؤلفها ينتظر بعد أن أدى دوره من بحث وإرهاق وتمويل ونشر.. غرباء في الرمادي، هو عنوان تلك الرواية التي اختار لها مؤلفها دار نشر كبيرة رغم ارتفاع سعرها، ربما عشمًا في توزيع أكثر ومن ثم قراء أكثر يشجعونه على المضي في هذا الدرب. بالنسبة لي الرواية تقول الكثير ولا تقول الكثير أيضا.. هي رحلة حياة وكفاح لأسرة هاجرت من بلد عربي إلى بلد عربي، من طقوس معتادة إلى طقوس غير معتادة، أي أشبه بالسير المكتوبة روائيًا، وهذا دائما ما يحدث عند بداية الكتابة، أن تلملم خبرتك من البيت والشارع المجاور ومن حواديت الأجداد والجدات، لتصنع عالما ما، ثم بعد ذلك يتسع ذلك العالم ليضم إلى صدره خبرات أخرى.
سأعود لاحقا للكتابة عن ذلك النص الغني.. لغته، عالمه، تداعياته، ووضعه الإبداعي وسط ذلك الكم الهائل من الكتب التي تمر علينا باستمرار، لكن هنا أود فقط أن اشد على يد ذلك الشاب الذي حمل هما، هو من أقسى الهموم التي تُحمَل وهو هم الكتابة، حين كتبنا نحن في ثمانينات القرن الماضي، كان ما يزال للكتابة وقع، وما تزال الأذهان متفتحة لامتصاص نتاج الإبداع، عكس الآن حيث تراجعت تلك الخاصية وما عادت جرثومة القراءة تصيب إلا القليلين برغم تزايد الكتّاب وتزايد إنتاجهم.
جميل جدًا أن تكتب يا جاسم أن تكتب هذا النص الكبير، وجميل أن تجد من يقرأه ويعلق عليه، وقطعا توجد في ذهنك نصوص أخرى تود كتابتها، وفي رأيي أن البيئة الخليجية مثل كل البيئات الأخرى، تملك سحرها وأساطيرها خاصة أن تزاحم الشعوب على أرضها واختلاف الثقافات ومن ثم تعدد مستويات الكتابة يمنحها تميزًا، وليس من الصعب العثور على مادة لم يكتشفها أحد من قبل.
تحية للشاب جاسم سلمان في أولى محطاته وننتظر محطة أخرى تنقلنا خارج البيت وحواديته.