الاستعفاء.. وثقافة المحاسبة !
تحدث الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة عن أهمية تأسيس ثقافة المحاسبة وتجذيرها في العمل الحكومي، بمعنى أن نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وأن يكون الجزاء من جنس العمل، ولاسيما أن العمل الخدمي الرسمي، واجهة الأنظمة السياسية، التي تعكس مدى حيويتها وجديتها وعدالتها وصرامتها في الوقت ذاته، فليس من المنطقي أو المعقول، تغييب ثقافة(العقاب والثواب) في الحياة الإدارية السعودية، فالمجتمع طرف رئيس وشريك في العملية، وينتظر أن يسمع ويرى ما ينسجم وتجربته مع المؤسسات الخدمية.
فالمسئول أيا كان موقعه مؤتمن من المولى عز وجل ومن ثم ولي الأمر على أداء رسالته في خدمة وطنه وأمته، ولا يعفي المسئول – بأي حال من الأحوال- التذرع بإشاعته طلب الاستعفاء من مهامه، للتحصن والتهرب من المساءلة والمحاسبة عن الاستحقاقات التي يفترض أن يقوم بها، حتى لايسيء للمهمة المكلف بها أو المجتمع المؤتمن عليه.
كما أن تهرب بعض المسئولين عن أداء مهامه الفعلية، من خلال (إحالة معاملات المواطنين) دون البت فيها إلى الإدارات والأقسام، وعدم متابعة نتائجها تعني بكل بساطة تفريطا في المسؤولية، والعجز عن إدارة العمل والسيطرة عليه، مما يفضي إلى الترهل والفساد الإداري والمالي، ودفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى رأس الهرم في الدولة في قضايا فنية وإدارية، لحل مشاكلهم وقضاياهم في بعض المؤسسات الخدمية.
إن تكريس ثقافة المحاسبة والرقابة شرط رئيس في حفظ حقوق المواطنين، وتنشيط الأداء الحكومي، فالمجتمع الإداري – بطبيعة الحال- يتواجد به الإداري المؤهل والناجح،والإداري الفاشل، كما أن هناك الإداري الفاسد وهناك الإداري النزيه، ومثلما هناك الإداري الوطني هناك الإداري الإقليمي والمناطقي، فالناجحون ينهضون بالوطن والأمة، والفاشلون يقوضون طموحات الدولة، ويهددون مشروع الوطن. لذلك يجب فرز الطبقة الإدارية السعودية وتحديثها بشكل دوري،وفق مقاييس وطنية واسعة، وإدارية صارمة، لنبرز النماذج المشرقة وندعمها، ونحاسب المتخاذلين الذين قدموا مصالحهم الضيقة على مصالح الوطن، حتى تدرك الطبقة الإدارية – بل والمجتمع بأسره- أن هناك مقاييس ومعايير نافذة، يتم الاحتكام إليها، والعمل من أجلها، في خدمة الوطن ، وفق قاعدة الثواب والعقاب (وهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون) .
كما أن تنشيط الدورة الدموية في الجسم الإداري السعودي، بحاجة إلى ضخ دماء جديدة، مؤهلة وقادرة على مواجهة المتطلبات والتحديات، فالمجتمع السعودي من شماله الى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، يزخر بالسواعد الوطنية القادرة، التي يتطلب الذكاء الإداري استثمارها و تجريبها وإشراكها في قيادة الهيكل الإداري وتفعيله، من خلال تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الوظيفية والتصدي لانغلاق الطبقة الإدارية وترهلها.
أما الذين يغطون عجزهم في إشاعة استعفائهم للتنصل من مهامهم وواجباتهم، فإن ذلك لايغير من نتائج أعمالهم شيئا، فقد منحوا الفرص الكاملة، وانشغلوا بمظاهر التشريف عن متطلبات التكليف.
alfirm@gmail.com