هامور من جدة
قبل سنوات قليلة كتبتُ مقالا عن هامور المدينة المنورة الذي استولى على أموال المواطنين بعد أن باعهم أبراجا سكنية وهرب دون أن يكمل تشطيب تلك الأبراج..
اليوم أكتب عن هامور آخر، لكنه من جدة، وما أكثر الهوامير الذين انتشروا في مدننا المختلفة بعد أن فارق خوف الله عز وجل نفوسهم وماتت ضمائرهم فلم يعد الواحد منهم يأبه لأمواله من أين جاءت ولا كيف تجمعت..
المهم عنده هو أن يفوز بأكبر قدر منها على حساب الآخرين سواء كانوا مقتدرين أو ضعفاء أو مساكين..
هو ينسى أن فوزه هذا معناه أنه يحقق أكبر خسارة في حياته، لكن الشيطان الذي أعمى قلبه وأضعف بصيرته ألهاه عن التنبه لذلك، فاستمر يجمع المال ويجمع دون خوف أو وجل.
بين يدي اليوم رسالة تفيض حروفها بالمعاناة من مشكلة من هذا النوع مما يصيب النفس بالمرارة ويدفعها للتحسر على ما آل إليه حال المسلم في مجتمعنا، ذلك الإنسان الذي كان يخشى الحرام ويتجنبه بكل قوة وعزة نفس ليصبح اليوم مطارِدا له ينغمس فيه بكل جرأة وصفاقة، الرسالة المطولة أتتني من مواطنة بجدة ألخص أهم ما جاء فيها في النقاط التالية:
* أنها كانت تفكر في امتلاك عقار خاص بها يكفيها ـ كما تقول ـ شر ارتفاع الإيجارات أو ينفعها كاستثمار يدر عليها دخلا ثابتا.
* أنها وجدت بعد البحث شققا للتمليك بأحد أحياء جدة حيث تم الاتفاق على شراء شقة لها وأخرى لوالدتها.
* كان لكل شقة عقدها الواضح المفصل والمبدوء بآية قرآنية تقول عنها المواطنة بالنص "جعلها الله شاهدة عليه يوم القيامة" حيث يتضمن العقد الواحد "16" بندا توهم المشتري بأن حقه محفوظ تماماً.
* تم تصديق العقد من الغرفة التجارية الصناعية بجدة.
* تضمنت عملية الشراء لكل شقة دفع أقساط شهرية عددها "36" قسطا إضافة إلى دفعة أولى "60000 ريال، وثانية "80000" ريال وأخيرة "86000" ريال.
* قامت المواطنة وأمها بدفع الأقساط بانتظام حيث دفعت كل منهما "21" قسطا بالإضافة للدفعتين الأولى والثانية وبلغ إجمالي ما دفعتاه للشقتين " 448000 " ريال ولديهما الإثباتات.
* كان موعد تسليم الشقتين في بداية عام 2006 م لكن صاحب العمارة أخر التسليم ولم يُكمل تشطيبهما، لذا قررت المواطنة وأمها إعادة الشقتين إليه واسترجاع ما دفعتاه من أموال.
* جرى الاتفاق مع العاملين في مكتب الرجل على بيع الشقتين وإعطاء المشتريتين حقهما كاملاً.
* تم بيع الشقتين لكن ما سُُلم لهما هو شيك بمبلغ " 30000 " ريال فقط.
*رفعت المواطنة شكوى إلى إمارة المنطقة وبدأ البحث عنه، حيث تبين أن مكتبه مغلق وأنه هارب ومختفٍ تماما وأن البحث عنه معمم أصلا من أكثر من جهة، كما جاءتها معلومة لا تعرف مدى صحتها تشير إلى أن الرجل هرب إلى خارج البلاد بأكثر من مئة مليون ريال.
* تساءلت المواطنة في نهاية رسالتها قائلة: (كيف لهؤلاء المحتالين المعتدين أن يسرقوا أموالا تعبنا وشقينا عليها ؟ لماذا لا تضع الغرفة التجارية نظاما يضمن المشاريع العقارية حتى يضمن المشتري حقه؟ لماذا يستمتع الناس خارج الوطن بالعقارات والأملاك دون التعرض لمحتالين مثل هذا الشخص وغيره؟) انتهت الرسالة التي اختتمتها المواطنة بذكر أسماء بعض المواطنين الذي اشتروا معها في البرج نفسه.
لدي أسئلة أخرى أبعد قليلا من أسئلة هذه الأخت وهي تخص جميع اللصوص وليس هذا وحده، كيف يحدث هذا الولوغ في الحرام بشدة في مجتمعنا بالذات الذي انفرد دون غيره من المجتمعات بتدريس مكثف للحلال والحرام منذ سنوات مبكرة من عمر الإنسان؟
هل فشلت المعلومات المقدمة في إقناع المتلقين، أم فشل المعلمون في إفهام المتعلمين؟
أم أن أسلوب تقديم المعلومة لم يعد يناسب متطلبات العصر مما يستلزم البحث عن طرق أخرى تغرس المعاني داخل النفس لتردعها وتقومها؟
كيف بلغت القسوة بهؤلاء الناس هذا الحد الذي جعلهم لا يشعرون بمعاناة الآخرين وهم يجمعون القرش تلو الآخر ليأمنوا غائلة الزمان فيأتيهم الغدر من موضع الأمان نفسه؟
أين هم من دعوة المظلومين الكثر الذين سيرفعون أيديهم إلى السماء في ظلمة الليل ليمطروهم بالدعوات التي لا يقدرون على مواجهة ما ستأتيهم به مهما بلغت قوتهم؟
تساؤل أخير.. ما هو الهدف الأساسي الذي يرمي إليه هؤلاء الناس من جمع الأموال؟
إذا كان الهدف هو الحصول على مكانة مرموقة في المجتمع فهم قد فقدوا المكانة والسمعة بسوء فعلهم، وإذا كان الهدف هو راحة البال بضمان المستقبل فهم قد أضاعوها أصلا بسبب هروبهم واختبائهم وفقدان أمنهم النفسي، أما إذا كان الهدف هو تأمين مستقبل الأبناء فإن المال الحرام سيضيع قبل أن يشتد عودهم ولن ينفعهم، هذا غير عدم استجابة الدعاء والعياذ بالله وضياع البركة من الأعمار والأعمال فما الذي يبغونه من وراء ذلك إذن؟؟
أتمنى أن يستعيذ هؤلاء الجاهلون من الشيطان الرجيم وأن يعملوا على ترتيب إجراءات الإعادة لأموال الناس بدلا من الاكتواء بنارها يوم الخزي العظيم!!
فاكس 6401574