مــع الفـجــــر
العمالة.. والمهن الحرة
.. رحم الله الأيام التي كانت فيها المهن الحرة من أشرف الأعمال التي يفخر ممارسوها بالانتساب إليها، فهذه عائلة النجار، وتلك عائلة السباك، وعائلة الخياط، وعائلة الجزار، وعائلة البناء، وعائلة السمان، وعائلة اللبان، وعائلة الخراز، وعائلة السروجي، وعائلة السمكري، وبيت السقا، وبيت الخضري، وبيت الزمزمي، وبيت الفران، وبيت القزاز، وبيت الفراش، وبيت الرفه، وبيت الحجار، وبيت الحلواني، وبيت الكتبي، وبيت المهندس.. إلى آخر ما للمهن من مسميات. ومما يذكر أنه لكل حرفة «شيخ» يتم انتخابه كل ثلاث سنوات من قبل محترفي المهنة وفق نظام متعارف عليه رسمياً من قبل البلديات.
كان هذا إلى عهد غير بعيد، ثم لما انتظمت أمورنا الإدارية وفق تشريعات وزارة العمل أصبح الحبل على الغارب –كما يقولون– فلا شيخ ولا مرجعية لأصحاب المهن التي فتحت أسواقها لكل من هب ودب بمن في ذلك المتخلفون والهاربون من كفلائهم، ولعل الغريب أن عامة الناس من المواطنين والمقيمين يفضلون التعامل مع أمثال هؤلاء لما قد يقبلون به من أجر منخفض، في الوقت الذي يفترض فيه أن كل من يصادف متخلفاً أو هارباً من كفيله أن يسلمه لادارة الجوازات لاكتفاء شره فإن أغلب حوادث السرقة والجرائم إنما تقوم بها هذه الفئة من المتخلفين والهاربين من كفلائهم.
وإذا كان المواطن والمقيم –الفرد– لا يعبأ بما هو مفترض عليه، فإن من المؤسف أن من المؤسسات الوطنية، وبعض المصانع في المدن الصناعية والورش تستخدم المتخلفين والهاربين من كفلائهم لما قد يقبلون به من أجر منخفض، في الوقت الذي يجب على كل مؤسسة أو مصنع أو مستشفى يراجعه متخلف أو متخلفة أو هارب أو هاربة من الكفيل بحثاً عن عمل، أن يبادر بابلاغ الجوازات وتسليمه لها لا أن يقبل بتشغيله وفي أحسن الأحوال الاعتذار بعدم وجود عمل.
إننا إذا لم نتعاون مع جهات الاختصاص في تضييق الخناق على المتخلفين والهاربين من كفلائهم، فليس لنا أن نشكو مما يجري علينا من حوادث أبطالها المتخلفون والهاربون في معظم الأحوال.
وأعود لما بدأت به .. وأعني المهن التي كان أبناء البلد يشرفون بالعمل فيها ثم أصبحوا الآن يتأففون منها ويبحثون عن المكتب والكرسي الدوار لتمتلىء الأسواق بالأجانب الذين يمارسون المهن بمختلف فروعها.
ففي الاسبوع الماضي احتجت لسباك فجيء لي بمصري .. واحتجت إلى نجار فجيء لي بيمني.. واحتجت لكهربائي فجيء بفلبيني .. واحتجت لمن يصلح حركة «الدش» وقنوات التلفزيون، فجيء بباكستاني .
ولما سألت: ألا يوجد سعودي؟ قال لي السائق: كلهم أجانب حتى الأسواق وإن كانت لسعوديين فإن العاملين بها لمصلحتهم من الأجانب الذين يرفدون صاحب المحل رسماً شهرياً مقابل الاسم سواء في التجارة أو السباكة، أو النجارة، أو الأعمال الكهربائية، واصلاح التلفزيونات، والهواتف الجوالة اصلاحاً وبيعاً وشراءً بما فيها المسروق.. وكثير منهم من المتخلفين والهاربين من الكفلاء.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا بفعل التضييق في اعطاء تأشيرات؟! أم لأننا نستهين بمسؤوليتنا تجاه مصلحة الوطن واقتصاده حتى ولو كان ذلك مؤدياً لما نشكو منه من ارتفاع نسبة الحوادث والاجرام؟! ويا أمان الخائفين.