فاقد الشيء
بعد زيارته لمنطقة الشرق الأوسط، ومشاهدته لما حدث، واستماعه إلى جميع الأطراف، تمخض تشيني فولد سُخفاً .
بعد أن وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكيين في العراق إلى أربعة آلاف قتيل، حسب التصريح الرسمي للإدارة الأمريكية، لم يجد ديك تشيني، نائب الرئيس بوش، ما يقوله سوى أنه يأسف لكل ضحية أمريكية سقطت في العراق.
في نظر تشيني، زعيم المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، الجنود الأمريكيون القتلى فقط في العراق هم الضحية.. هم فقط الضحية. وهنا يثور التساؤل، ضحية من هؤلاء الجنود القتلى؟ هل هم ضحية العراقيين، أم هم ضحية الإدارة التي أرسلتهم لغزو العراق وتدميره لأسباب زائفة ملفقة ثبت كذبها للعالم كله؟
ولكن يا مستر تشيني، ألا يوجد ضحايا تأسف عليهم سوى هؤلاء الأربعة آلاف قتيل من الجيش الأمريكي؟ ألا تأسف على غيرهم من أطفال ونساء وأبرياء عراقيين سقطوا نتيجة إدعاءاتك الكاذبة؟ أليس هؤلاء ضحايا أيضا، ضحاياك أنت وضحايا سلسلة قراراتكم الخاطئة في الإدارة الأمريكية الحالية؟
نحن في الشرق الأوسط وفي العالم العربي نأسف ونتألم لهؤلاء الجنود الأمريكيين القتلى في العراق، الذين أرسلتهم حكومتهم إلى هذا المصير دون مبررات مقبولة منطقياً وضميرياً وسياسياً.
ونحزن عندما نرى دموع أطفالهم وزوجاتهم وأمهاتهم الذين تركوهم خلفهم.
أنا شخصيا ـ كأي إنسان عاقل ـ أأسف على كل قتيل زهقت روحه دون مبرر سوى لأسباب غبية أو أطماع عمياء، بصرف النظر عن جنسه أو جنسيته أو خلفيته. لا يوجد عاقل لا يأسف كثيرا على كل عراقي بريء سقط قتيلا وهو آمن داخل منزله أو في حيه أو مدينته، من الذين بلغ عددهم قرابة المليون قتيل.
فهل يأسف عليهم أيضا المستر تشيني، وعلى مصير ذويهم من أطفال ونساء وشيوخ بقوا وراءهم في حسرة وألم وتعاسة؟
ماهي الأسباب الحقيقية وراء هذه الفوضى الكارثية، البترول، أمن إسرائيل، تخويف العرب والمسلمين، أم هي جميعها؟
نحن نأسف أيضا ونتألم للأعداد الكبيرة من القتلى من الشباب والأطفال والصبية والنساء من أبناء وبنات فلسطين الذين قتلوا في طرقات وأزقة غزة وباقي أراضي فلسطين المحتلة، أو قضوا تحت أنقاض مساكنهم ومنازلهم المتواضعة التي دمرها أفراد الجيش الإسرائيلي الهمجي.
فهل يأسف عليهم أيضا المستر تشيني، ويشعر بأي تعاطف مع الأمهات الثكلى وحسرة الآباء والأجداد؟
كلا بالطبع، بل هو يعطي إسرائيل كل الحق في ذلك!
الحرب قاسية، نحن نعلم ذلك، ويسقط فيها قتلى وجرحى، ويحدث فيها تدمير وسفك دماء. ولكن ما يحدث هنا ليس حربا بالمعنى المفهوم، إنما هو تدمير عشوائي وغزو واحتلال متغطرس لا مبرر له ولا دوافع ولا مسببات.
في الحرب العالمية الثانية التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسين مليون إنسان، كانت هناك أسباب ومبررات تاريخية، وكانت هناك ضروريات جغرافية وسياسية وإنسانية. كان هناك اعتداء عسكري منظم ووجه بقوة عسكرية عالمية.
قتل في تلك الحرب أكثر من خمسين مليون مواطن عالمي، ودمرت مدن ودول، وساد الحزن والألم في العالم كله.
وكنا نظن أن العالم قد تعلم من آلامه وأحزانه وتعلم من التاريخ، ويريد العيش في سلام.
أما هنا فالأمر مختلف. هنا لا توجد حرب منظمة، بل توجد قوى تشفي غليلها بالاغتصاب والاقتحام، لأسباب غير إنسانية، بل لأطماع مادية وسياسية وعرقية وأيديولوجية لا غير.
لاتصدقوا المستر تشيني عندما قال إنه يأسف على كل ضحية أمريكية سقطت في العراق. لا تصدقوه، فهو لا يعرف كيف يأسف. فاقد الشيء لا يعطيه.