درس الملك عبدالله في النقد
أسمى مراتب النقد نقد المرء لنفسه بنفسه، وهو أيضاً أقسى أنواع النقد وأشده، وقليلون هم الذين يملكون الشجاعة، والرؤية، والضبط، ولا تتأرجح عزائمهم، لمواجهة أنفسهم بأنفسهم، ونقدها، وإصلاحها، كي تكون على أفضل حالاتها، وأتم غاياتها، وهذا ما ابتغاه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، عندما أقر أمام المجتمع السعودي، ومن ثم العالم كله، أنه ينقد نفسه بنفسه، شعوراً منه بالمسؤولية، واستشرافاً لمستقبل أمته، فالنقد وسيلة للإصلاح، وعلامة من علامات التواصل، واكتشاف الأخطاء، ومكامن الخلل، وهذا أدعى بكل إنسان في هذا الوطن، أن يواصل الحوار من خلال النقد، ويتقبله، ويمحصه، ويتعامل معه بحيادية، فقد فتح المليك الباب واسعاً أمام النقد، حين أعلن واثقاً من نفسه، أنه لم يتردد في يوم من الأيام، عن توجيه النقد الصادق لنفسه إلى حد القسوة المرهقة، خشية من أمانة يحملها هي قدره، وهي مسؤوليته أمام الله جل جلاله (من كلمته أمام مجلس الشورى، عكاظ، ع15177، 8 ربيع الأول 1429هـ، ص4).
إن النقد الذي عناه الملك عبدالله، ينبغي أن يتكئ على قواعد، وأسس، ومعايير من بينها: الانتماء الصادق، والحب الشديد لهذا البلد وطناً وتراباً، والاقتناع بجدوى النقد من حيث هو ضرورة عملية، يصعب فصلها عن الإنسان، وفكره، وعقله، ولا تقدر عليه إلا النفس المطمئنة، التي تحس بالاستقرار النفسي، وتستنبط ما هو أنفع لغاية فاضلة، ولا ترى في النقد عيباً، بل هو علاج لحالة «عدم التوازن» عند الإنسان، فإذا كان ولي الأمر ينتقد نفسه بنفسه إلى حد القسوة المرهقة، فما بال بعض المسؤولين تضيق صدورهم من النقد، ويُعدونه شططاً وتجاوزاً؟ ويرمون النقاد بأوزار إخفاقات أدائهم؟ أفلا يجدر بالذين تحمّلوا أمانة ومسؤولية، في مجتمع مفعم بتعدد الرؤى والاجتهادات، أن يتخذوا من الملك عبدالله قدوة حسنة، وهو الذي عدّ النقد معبراً للحوار، فلا يتأففون منه أو يضجرون، بل هو أدعى لمحاسبة أنفسهم بأنفسهم «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» فليس هناك إنسان معصوم من الخطأ، واعتراف المسؤول بأخطائه، مدعاة لإكباره، ورفع لأسهم تداوله بين الناس، واستنفار لجيل جديد يزاول النقد، ولا يكابر في عدم الاعتراف بأخطائه، فالاعتراف بها فضيلة، والتردد فيها رذيلة، والناس يحترمون الذين يستجيبون للنقد، ويرون أنهم ناضجو الشخصية، واثقون من أنفسهم، قادرون على التفاعل مع النقد.
من المعروف أن الإنسان لا يولد ناقداً، ولكنه يمكن أن يتعلم النقد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، أي أن النقد عملية تعليمية من شأنها -كما رأى أحد المفكرين- «تثقيف العقل، وتقويم الُخلق، وترقية الذوق، وتصفية الطبع، وإحياء الضمير» وهو مرآة دقيقة يرى فيها الإنسان نفسه، وملخص أمين لسجلها، ولذلك يخطئ من يعتقد أنه فوق مستوى النقد، أو تتعذر عليه رؤيته من حيث هو «تعبير عن قيم الالتحام، والمحاورة، والمشاركة، والارتقاء بالإنسان، والرغبة في المعرفة».
أتمنى أن يعي درس «عبدالله بن عبدالعزيز» الجميع، وما أحرى كلماته أن توضع على مكتب كل مسؤول، ويفهم معناها، فالمدرس الذي يعترف بأنه يحاسب نفسه بنفسه، يسعى برغبة قوية، إلى أن يكون طلابه وطالباته ومَن يحيطون به، قادرين على تقبل النقد، وتجنب الأخطار المترتبة، على عدم مراجعة النفس.
فاكس 014543856
badrkerrayem@hotmail.com