أسماء الزهراني
تحت الخط الأحمر
قبل شهور وفي أوج نوبة البرد المرتفعة هذا العام، قرأنا جميعنا عن حالتي الوفاة في مدارس المنطقة الشمالية، التي كان سببها الطابور المبكر، الذي يتزامن مع أكثر الساعات انخفاضا لدرجة الحرارة في اليوم. وقد تفاعلت الجهات المسؤولة مع المشكلة بتغيير ساعات الدوام الشتوي في تلك المنطقة، وإلغاء طابور الصباح إذا ما أعاقته حالة طقس سيئة. كانت تلك القصة والقصص التي تواترت معها في مقاساة مشاكل الطابور المبكر في أيام الشتاء القارسة في أغلب مناطق المملكة، كانت قد أثارت في الأجواء مشكلة ساعات الدوام في التعليم العام، في جميع أوقات السنة، فهي بصرف النظر عن الشتاء والصيف معضلة يعاني آثارها أطراف الأسرة جميعها، ففي ساعة واحدة أو أقل بين أذان الفجر وطلوع الشمس يكون على الأم أن تجهز أطفالها، بما يتضمنه ذلك من إعداد الإفطار الطازج، وأداء مهمات العناية الشخصية بالنظافة والهندام خاصة للصغار، ثم تدارك موعد انطلاق جرس الحصة الأولى في السابعة تماما، فضلا عن جرس الطابور الذي يسبقه بربع ساعة، وهذا أمر يعني استيقاظ الطفل في الغسق، بعد أن يكون غالبا قضى ليلة صاخبة في اللعب مع الأطفال الآخرين، أو في معاناة محاولة النوم المبكر وحيدا وسط الجو الصاخب والحيوي الذي يعيشه بقية أفراد الأسرة الراشدين. كل هذه المعاناة تتضاعف إذا ما كانت الأم عاملة، وتتضاعف أكثر إذا ما كان الوالدان أو أحدهما يعمل في قطاع التعليم، فغالبا ما يتطلب الأمر مع مراعاة الزحام والاختناقات المرورية الدائمة أن تغادر الأسرة المبتلاة في بطن الظلام.
كانت هذه المعاناة تقع في نطاق المسكوت عنه، طالما كانت الأسر تتعامل معها بنوع من التضحيات الروتينية، في ظل النظام المرن للرقابة على ساعات دوام الموظفين في القطاع الحكومي، فكان بالإمكان أن يتأخر الوالدان عن ساعة بدء الدوام، مستفيدين من غض الطرف أيا كانت دوافعه من المسؤولين، لكن هذا لم يعد ممكنا الآن في ظل الرقابة الصارمة التي تم فرضها حديثا على الموظفين في ظل آخر تحديث لنظام العمل والعمال. وفي ظل الرقابة الشديدة التي تتضمن حسابا دقيقا للوقت بالدقيقة يصبح على الوالدين الموظفين التضحية بوقت الأبناء، الذين لن يعني تأخرهم عن جرس الطابور فقدان مصدر الدخل الأساس للأسرة، فالوالدان العاملان أو أحدهما مطالب باللحاق بالخط الأحمر الذي سيبدأ بعده حساب الدقائق، دقيقة دقيقة، ليتحقق المثل الشهير: الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، فبحسب التطورات الجديدة في نظام العمل الرسمي أصبح للدقيقة في صباح الوالد الموظف ألف معنى، فهو سيواجه مع تراكم هذه الدقائق ليس باحتسابها كأيام غياب كاملة فحسب، بل بتعرضه لاحتمال الفصل والنقل التأديبي، مما يزيد في سوء الحالة حين تتضاعف المسافات وتتشتت بين المدارس والمنزل.
وهذا ينقل المؤشر لظاهرة مسجلة في المدارس، فهناك خط أحمر ضمني أيضا للأطفال والأبناء الطلاب، يعني تجاوزه تسلم تقارير سوء المواظبة والحضور، التي تؤثر على تحصيل الطالب، وتضعف حماسه للتعليم من خلال اضطراب علاقته بالمدرسة ومعلميها، وسوء تقديره لذاته. وهذا ما يجعل أبناء الأم العاملة خاصة المعلمة هم الأكثر إثارة لمشاكل المواظبة، والمعاناة من ظلالها السيئة على تحصيلهم وتقديرهم لذواتهم، وهو ما يشكل مفارقة مع انتمائهم ونشأتهم في بيئة تعليمية، نسبة لعمل الوالدين أو أحدهما في التعليم، فضلا عن كونها بيئة متعلمة. ثم إننا نكرر الشكوى من سوء أحوال الأطفال في الانتباه والتيقظ في وقت الدرس، ونرجع ذلك لسوء التغذية الناتج عن إهمال وجبة الإفطار الأساسية، ولقلة النوم وعدم انتظامه، وهما مشكلتان يستحيل حلهما في ظل استحالة الجمع بين نوم مشبع ووجبة إفطار سليمة، فلا بد من التضحية بأحدهما إن لم يكن بكليهما.
هذا ولم نتحدث عن النتائج غير الجيدة للعمل وللتحصيل العلمي للوالدين وللأبناء مع هذه البداية المتوترة والمشحونة لليوم، فهل تذهب كل الطاقات التي يبني عليها الوطن آماله في المستقبل سدى وفداء لجرس السابعة إلا ربع؟ علما بأننا نعلم يقينا أن ما من شيء عقلي ومنطقي يفسر هذا سوى الروتين وخوف التغيير الذي يميز مؤسساتنا على اختلاف أنماطها. كل هذا يصعب فهم السكوت عنه وتمريره مع آثاره السيئة والملموسة، في ظل انعدام تفسير تحديد وقت بدء اليوم الدراسي بساعة مبكرة لا تتعدى ساعة بعد بزوغ الفجر، ففيم هذه المعاناة كلها في حين أنه يمكن تأخير هذه البداية المروعة لليوم لتبدأ في الوقت الذي تنطلق فيه ساعة البداية الطبيعية، عند الساعة الثامنة صباحا؟ أليس طالب الابتدائية الطفل أحوج لهذه الساعة الإضافية من طالب الجامعة الذي يمكنه الاعتماد على نفسه والاستقلال بوسيلة مواصلات خاصة؟ هناك خط أحمر آخر يهدد التنمية المستدامة، التي نعمل جميعا في كل أجهزة الدولة لتحقيقها وحمايتها من العقبات المتكاثرة والمزمنة، ومشكلة الدوام المدرسي يشكل إحدى أهم تلك العقبات، فهل يحين الوقت لنتجاوز جميعا في حياتنا الأسرية والعملية ومستقبل أبنائنا ووطننا خطر الخط الأحمر؟
asma@alzahrani.com