هل أخفقت الاستراتيجية الأمريكية في العراق؟
السؤال المراوغ، الذي يطرح نفسه بقوة، وعلينا النظر اليه بإمعان وتفحص، لاستبطانه إجابات متناقضة في حمولاتها، دلالاتها، وإفرازاتها، الذي يتمثل في التالي: بعد مرور خمس سنوات على الغزو الامريكي للعراق، واحتلاله، هل نجحت، أو أخفقت الولايات المتحدة الامريكية، و على وجه الدقة الإدارة الأمريكية الحالية، التي يقود دفتها، ما تبقى من اليمين المتشدد، والمحافظين والمسيحيين الجدد، في مقدمتهم الرئيس جورج بوش، ونائبه ديك تشيني في تنفيذ أجندتها القديمة في العراق، ومنطقة الشرق الاوسط، ومن ثم على الصعيد الكوني؟ والسؤال المتفرع عنه، ماذا عن تأثير مفاعيل الحرب، وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية في الداخل الأمريكي؟ بداية علينا أن نتوقف عند الاستهدافات والمصالح الاستراتيجية الأمريكية الثابتة على الصعيد الكوني، بغض النظر عن تعاقب الإدارات، الديمقراطية والجمهورية، التي قد تختلف برامجهما على نحو واضح على الصعيد الداخلي، إزاء قضايا مهمة، بالنسبة للمواطن الأمريكي، مثل الضرائب، الضمان الاجتماعي، التعليم، البطالة، توفير المساكن، والرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه، هناك بعض الفروقات الهامة بينهما، في ما يتعلق بالتكتيكات، الممارسات، وأساليب العمل على صعيد التعاطي مع الأوضاع الخارجية، وعلى النحو الذي جسدته، ومثلته على نحو فاقع وخطير، أيديولوجية وممارسات المحافظين الجدد. لقد استندت الإستراتيجية الغربية (الأطلسية) على وجه العموم، والإستراتيجية الأمريكية على وجه التحديد، منذ مرحلة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلى ركيزتين أساسيتين، هما أولا: دعم قيام دولة إسرائيل، وتوفير كل المقومات والمساعدات السياسية، العسكرية، الاقتصادية، الأمنية، والبشرية لها، ككيان عنصري/ استيطاني/ توسعي، على حساب الحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني، والشعوب العربية الأخرى، وضمان تفوقها (إسرائيل) الكاسح، وهيمنتها على المنطقة العربية، وفي عموم منطقة الشرق الأوسط. باعتبارها قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الإستراتيجية للغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال البعد الأيديولوجي والديني، لتحالف المسيحيين، والمحافظين الجدد، في دعم إسرائيل، التي عبّر عنها الرئيس بوش في مناسبات عدة. الركيزة الثانية: الهيمنة المباشرة على مصادر النفط (الذي يمثل الشريان الرئيسي للاقتصاد العالمي) وخطوط إمداداته في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، الذي يحوي قرابة ثلثي مخزون النفط في العالم. من اجل تحقيق تلك الاهداف الإستراتيجية الأمريكية القديمة، تجاهلت الولايات المتحدة بغطرسة قرار 1441، الصادر من مجلس الأمن، الذي دعا فيه الى عودة المفتشين الدوليين الى العراق، لمواصلة البحث عن اسلحة الدمار الشامل المزعومة، كما استفردت، ومعها بريطانيا، في قرار غزو العراق، وإسقاط النظام الحاكم هناك، على الرغم من معارضة غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن الدولي، ناهيك عن معارضة الرأي العام العالمي، لاستخدام أسلوب التصعيد والحرب ومنطق القوة، في حل الخلافات، والنزاعات الإقليمية والدولية. وقد خرج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع في الولايات المتحدة، وأوروبا، وغيرها من بلدان العالم، ليس دفاعا عن نظام الديكتاتورية الاستبدادي، إنما احتجاجا على الحرب، غير الشرعية التي كانت الإدارة الأمريكية تزمع شنها على العراق، والتي تفتقد إلى المصداقية، وتعبر عن نزعة امبراطورية في التوسع والهيمنة. غير أن الرئيس جورج بوش ومعه المحافظون الجدد، تجاهلوا كل ذلك ومضوا في تنفيذ اجندتهم الحربية. لقد تصورت الإدارة الأمريكية بأن الحرب ستكون نظيفة، وبمثابة نزهة قصيرة، ولن تكلف القوات الأمريكية تضحيات تذكر، خصوصا في ظل التفوق التكنولوجي الساحق، لآلة الحرب الأمريكية، كما توقعت، إن الشعب العراقي بكل فئاته، سيستقبل أفراد الجيش الأمريكي كمحررين، ويقابلهم بالزهور. على صعيد تمويل تكلفة الحرب وضعت تقديرات مالية تتراوح ما بين 50 إلى 60 بليون دولار، وكان المأمول أن تتشارك الدول الحليفة والصديقة في تغطيتها، أو على أقل تقدير، فإن النفط العراقي أو "الجائزة" وفقا لتعبير ديك تشيني كفيل بتعويض الخسائر الأمريكية. غير أن حساب الحقل خالف حساب البيدر. صحيح أن غالبية الشعب العراقي، تنفست الصعداء لزوال كابوس النظام الاستبدادي السابق، الذي صادر الدولة والمجتمع المدني، وقمع وتلاعب بمكونات الشعب العراقي كافة وعمل على تفسخه إلى كتل قبلية وطائفية وإثنية. غير أن قوات الاحتلال لم تستقبل بالزهور من قبل الشعب كما أن النتائج لم تكن بردا وسلاما بالنسبة له. فقد أدت السياسات والممارسات الامريكية، منذ اليوم الاول للاحتلال، إلى مضاعفة معاناته، بؤسه، انقساماته، وصراعاته الطائفية والدينية والإثنية والمناطقية، إلى الدرجة التي باتت معها، تشكل تهديدا جديا لوجود الدولة والمجتمع في العراق، كما أن تداعياتها الخطيرة، مسّت عموم المنطقة والعالم. على الجانب الأمريكي فإن احتلال العراق لبى هدف إسرائيل والمحافظين الجدد، في تحييد وإخراج العراق (بغض النظر عن نظامه الحاكم)، بما يمثله من إمكانيات وقدرات وثروات، من معادلة الصراع والقوة في الشرق الأوسط، كما نجحت الولايات المتحدة التي سعت جاهدة لديمومة قيادتها العالمية، واستمرار القطبية الأحادية، في وضع يدها، وفرض سيطرتها المباشرة، على مكامن النفط الهائلة (115بليون برميل) في ثاني اكبر دولة في العالم حتى الآن من حيث مخزونها النفطي، مما يعطيها مجالا واسعا ومرونة أكبر في استمرار تحكمها، وتأثيرها المهيمن، إزاء التكتلات الاقتصادية (الاتحاد الأوروبي، اليابان) الكبرى، والاقتصاديات الجديدة البازغة، كالصين، الهند، والبرازيل، خصوصا في ظل تراجعها المستمر على هذا الصعيد. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل السياسات والممارسات الأمريكية على وجه العموم، خصوصا في ظل الإدارة الأمريكية الراهنة (وبغض النظر عن نتائجها وتداعياتها الإقليمية والدولية الخطيرة) تتطابق بالضرورة مع المصالح الحقيقية للغالبية الساحقة من الشعب الأمريكي، أم أنها على العكس تماما، إنما تخدم، وتلبي في المقام الأول مصالح الكارتيل النفطي، والمجمع العسكري/ الصناعي، والشركات متعدية الجنسية، المهيمنة في الولايات المتحدة الأمريكية؟ السؤال الآخر: هل هناك علاقة مباشرة، أو غير مباشرة بين نتائج وإفرازات الاحتلال الأمريكي للعراق، وبين ما يعانيه الاقتصاد الأمريكي المنهك، من أزمات خطيرة و جدية؟ وللحديث صلة..