عدم تنفيذ القرارات.. بين التغيير والتعديل !
هناك إشكالية خطيرة ولافتة في الحياة الإدارية السعودية، تتمثل في عدم قدرة بعض الأجهزة على تنفيذ القرارات والمشاريع الوطنية، بالسرعة والجودة اللازمتين، تارة تحت مسمى بيروقراطية الوزارات الأخرى مثل وزارة المالية، التي هي الأخرى تشتكي من عدم توفر مشاريع واضحة لبعض الوزارات وكيفية تنفيذها للصرف عليها، وتارة تتحجج بعض الوزارات بضعف الموارد أو الأنظمة واللوائح، أو ضعف الكوادر البشرية.. الخ من التبريرات التي تهدد ازدهار المشاريع وإثمار القرارات الوطنية، لاسيما التي تمس المواطن السعودي منها؛ في حياته الاقتصادية او التعليمية أو الصحية، فبالرغم من وجود إرادة سياسية صادقة ومخلصة، وبالرغم من توفير الميزانيات اللازمة والدعم الرسمي، بمعنى حشد عناصر النجاح، لجهة المال وهو الوقود الرئيس للمشاريع والأفكار، والدعم السياسي الذي يمثل المحرك الرئيس في تذليل العقبات، إلا أن الجانب التنفيذي المناط به عملية التنفيذ يفشل أحيانا في ترجمة تلك الأفكار الوطنية، والبرامج المكتوبة، إلى واقع عملي يمتن ويكرس اللحمة، مما يعاظم حجم الخسارة الاستراتيجية، لجهة ارتفاع سقف توقعات المواطنين، وفق الخطاب الإعلامي والاقتصادي، وإحباط الموظفين- قبل المواطنين- القادرين في الإدارات التنفيذية- الوسيطة- والمتطلعين إلى خدمة وطنهم ومجتمعهم، كما تسهم هذه الحالة في تفشي حال من القبول الإداري بثقافة الفشل الإداري في بعض المشاريع المعطلة، وتحميلها على أنظمة المؤسسات الأخرى، كحالة هروب من عجز الموظفين لاسيما في الإدارة التنفيذية- العليا- في بعض الأجهزة عن مواجهة مسؤولية العمل في الشأن العام، والاكتفاء بالحد الأدنى من الأداء الروتيني الخطير والمقوض لأهداف ومنطلقات خطط الدولة، بعيدا عن روح المبادرة الوطنية، والتصدي لمصاعب وعقبات مشاريع التطوير والتحديث الوطني الذي تتطلع القيادة والمواطن إليهما، وهذا الترهل الإداري في بعض مكونات الأجهزة التنفيذية، بسبب ضعف كفاءة ومهنية العاملين، لضعف أساليب الفرز والاختيار في الطبقة الإدارية المنغلقة، لايقتصر ضرره على تلك الجهات، إنما يمس الحياة اليومية للمواطنين، وبالتالي عجز الموظف أو فساده أو بيروقراطية في معالجة مصالح المواطنين، هي في حقيقة الأمر تحريض للمواطن ضد إدارته (بأسلوب غير مباشر) فتولية موظف شأنا عاما لايحسن العمل فيه يجعل النقد ينتقل من الموظف إلى المؤسسة. وهذه الحالة تدعونا إلى محاولة تشخيصها والبحث في علاجها، من خلال مرحلتين؛ الأولى (معالجة سريعة) تتمثل في إجراء تغيير في القيادات التنفيذية، في الإدارات أو بحد أدنى إجراء تعديل وليس تغيير واسع، من خلال ضخ دماء وطنية جديدة، في الأجهزة التنفيذية، ودعمها في مشاريع التطوير، أما المرحلة الثانية، فتتمثل في كسر انغلاق الطبقة الإدارية الحالية، والخروج إلى فضاءات إدارية ووطنية أوسع، من خلال استقطاب القيادات التنفيذية الوطنية الشابة من مختلف مكونات وأقاليم المملكة، وتجريب شرائح جديدة، ووضع معايير لتقييم الأجهزة التنفيذية للدولة، من خلال (مؤسسات) مرتبطة بمجلس الوزراء، لديها معايير عالمية لتقييم عمل المؤسسات، فمعايير عمل تقييم وزارة التربية والتعليم يختلف عن معايير تقييم عمل وزارة الصحة، كما أن كثيرا من الدول باتت تدخل معدل رضا المواطنين عن خدمات الوزارات كمعايير أساسية لعمليات التقييم لأداء المسؤولين، فالمؤسسات الخدمية في نهاية المطاف هدفها خدمة المواطنين في المقام الأول، ومهمة المسؤول هي إدارة العمل، وليس إدارة البشر.
alfirm@gmail.com