حماية المستهلك بين آليات الجمعية ورقابة الوكالة
«الجزرة والعصا» للحد من جشع التجار
أحمد العرياني - جدة
الارتفاعات الجنونية وغير المسبوقة في اسعار السلع الضرورية والكمالية على حد سواء وبختلف انواعها في الاسواق السعودية طرحت مشكلة خطيرة تتمثل في حماية المستهلك. ولا تنحصر فقط في الغلاء بل تعدته الى إخفاء السلع وحتى تهريبها وخير دليل ما شهدناه في الفترة الماضية في ما يتعلق بالدقيق والارز والحديد والاسمنت وغيرها. وما زاد في خطورة هذه المشكلة ظاهرة الغش التجاري المتفشية بشكل خطير والسلع المقلدة والمغشوشة التي تؤثر سلبيا على المستهلك وصحته. فمن يضع حدا لهذه المشكلة؟ ومن يحمي المستهلكين من جشع التجار ومخاطر السلع المقلدة والمغشوشة؟ قبل استفحال هذه المشكلة وحرصا منها على تلمس احتياجات المواطنين والمقيمين والمحافظة على مصالحهم وافقت حكومة خادم الحرمين الشريفين في جلسة مجلس الوزراء في 17/6/1428هـ الموافق 3/7/2007م على استحداث تنظيم جديد يعنى بشؤون المستهلك ورعاية مصالحه وجاء في القرار:
طلعت بن ظافر وكيل وزارة التجارة والصناعة أشار الى أن القرار تضمن
«...إنشاء وحدة رئيسية في وزارة التجارة والصناعة بمستوى وكالة الوزارة لشؤون المستهلك.
...إنشاء جمعية اهلية تسمى جمعية حماية المستهلك تعنى بشؤون المستهلك ورعاية مصالحه والدفاع عنها وتبني قضاياه لدى الجهات الرسمية ونشر الوعي الاستهلاكي وحمايته من جميع انواع الغش والتقليد والاحتيال والخداع والتدليس في جميع السلع والخدمات».
ومع البدء بوضع قرار مجلس الوزراء تنظيم جمعية حماية المستهلك رب اسئلة تطرح نفسها مثل ما الدور الذي يمكن ان تلعبه الجمعية عند انطلاق عملها والوكالة عند تأسيسها في حماية المستهلك من ارتفاع الاسعار ومن جشع التجار؟ وما هي الاليات الواجب العمل من خلالها للوصول الى الهدف المنشود ولكي تكون الجمعية والوكالة اكثر فعالية في اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها؟
عكاظ طرحت هذه المحاور على عدد من المختصين والاقتصاديين الذين وضعوا عددا من مقترحات الحلول واقترحوا الآليات الكفيلة بالوصول الى الهدف المنشود من خلال حماية المستهلك وتحقيق تطلعاته في ايقاف ارتفاعات الاسعار غير المبررة والارتقاء بجودة المواد الاستهلاكية وقطع دابر الغش التجاري.
يرى الدكتور سالم سعيد باعجاجة أستاذ المحاسبة المساعد حول الآليات التي تساعد على تفعيل دور الوكالة والجمعية قال إنه يجب تشكيل مجلس إدارة لكل جمعية وإسناد آلية المهام الموكولة إليه وعلى المجلس ان يقوم بتشكيل لجان فرعية تختص كل لجنة بأنشطة معينة كما يجب دعم الوكالة والجمعيات بالكوادر البشرية المتخصصة. إضافة الى تخصيص ميزانية للوكالة تساعدها في القيام بدورها الفعال في حماية المستهلك وإعطائها الصلاحيات اللازمة للتصرف بالمشاكل التي تواجه المستهلك. وحث التجار والصناع على إنشاء جمعيات أهلية وتعاونهم مع وكالة الوزارة لحماية المستهلك. ووضع نظام حوافز للتجار والصناع الذين يستوردون او يصنعون سلعا جيدة ذات مواصفات وجودة عالية ومعاقبة التجار والصناع الذين يستوردون او يصنعون سلعا رديئة او مقلدة او مغشوشة سواء بفرض غرامات مالية وإغلاق المحل أو شطب السجل والتشهير.
ورأى ان عدد المراقبين لدى الوزارة غير كاف وأنه يجب على الوكالة الجديدة تعيين مراقبين جدد لمراقبة الأسعار والأسواق. موضحا ان العدد المناسب للمراقبين لمدينة كبيرة مثل الرياض وجدة مثلا يحتاج الى ان يكون 50 مراقبًا على الاقل بينما المدن الصغيرة تحتاج الى 20 مراقبًا.
ولزيادة فعالية أجهزة حماية المستهلك اقترح باعجاجة الانضمام الى الاتحاد العربي لحماية المستهلك ووضع نظام إداري ومالي لكل جمعية وتكثيف الجهود في نشر الوعي الاستهلاكي للمجتمع ودعم الحملات الإعلانية المتعلقة بحماية المستهلك. وزيادة عدد المراقبين في الأسواق. ووضع رقم هاتف لاستقبال شكاوى المستهلكين للإبلاغ عن أي حالة غش او تقليد او انتهاء صلاحية.
إنشاء فروع في كل المناطق
من جانبه قال عصام مصطفى خليفة عضو جمعية الاقتصاد السعودي كبير أخصائيي التخطيط ان أسعار السلع الضرورية والكمالية بمختلف أنواعها في أسواق المملكة تشهد ارتفاعات غير مسبوقة، حيث قفزت أسعار بعضها خلال الأعوام الأخيرة بنسبة تفوق 100%، وبالطبع فإن ذلك يجر أسعار سلع أخرى بديلة كانت أو مكملة الى الارتفاع ايضا. ورأى ان من أهم أسباب ارتفاع السلع وظاهرة الغش التجاري هو غياب الدور الملموس من وزارة التجارة عن حماية المستهلك لضعف إمكانياتها المادية والبشرية، وقد استغل هذا الغياب بعض التجار المحتكرين لبعض السلع وبعض ضعاف النفوس بدليل انتشار السلع المغشوشة والخسائر التي يتكبدها السوق السعودي من هذه الظاهرة والتي تقدر بحوالى أربعة مليارات ريال سنويا، ومن المؤكد أن المتضرر الأكبر هو الاقتصاد السعودي بإلاضافة إلى المخاطر الأمنية والصحية والاجتماعية. واضاف انه من هنا جاء قرار انشاء جمعية حماية المستهلك ولذلك من الضروري أن تدرك الجمعية أهمية دورها والذي يجب أن يفوق بمراحل الطرق الرسمية في الرقابة وأنظمة التسعير الجبري ومكافحة الغش التجاري وغير ذلك، فهي من أهم الجمعيات الموجودة في المملكة حاليا.
وقال انه لكي تتمكن الجمعية من تحقيق الأهداف المذكورة ويكون لها دور ملموس وتأثير قوي على اقتصاد السوق فهي تحتاج إلى: موازنة وموارد مالية ضخمة وخطط عمل وصلاحيات رقابية واسعة تتناسب مع أهميتها للحفاظ على حقوق المستهلك السعودي وإمكانيات بشرية متخصصة من أطباء ومهندسين واقتصاديين وزيادة عدد المراقبين في كل المحافظات وأن يكون لها مرجعية تشريعية وقانونية وإصدار العقوبات لحماية المواطنين من تجاوزات اقتصاد السوق وأن يكون لها حق إقامة الدعوى ضد مسبب الضرر وتوسيع دائرتها بإنشاء الكثير من الفروع لها في مناطق ومحافظات المملكة وأن يتم تطبيق نظام للحوافز للعاملين ومن يتعاون معهم من المواطنين. ولكنه اشار الى ان الجمعية إذا اكتفت فقط بالدور التثقيفي والتنويري فسيكون تأثيرها هامشيا، ولن تستطيع مواجهة جشع التجار بإجراءات فعلية وقوية وبطرق مباشرة وغير مباشرة، وستكتفي فقط بالبيانات والتصريحات التي لا تؤثر على صناعة القرار، وبالتالي لن تستطيع الدفاع عن حقوق المستهلك الذي يعتبر الحلقة الأضعف في معادلة اقتصاد السوق، ولن تستطيع أن تقضي على عمليات الغش التجاري ولن تتمكن من حل مشكلة ارتفاع الأسعار، وكشف ومعاقبة المتسببين في انحدار الحياة المعيشية لكثير من المواطنين، وبالتالي ستفقد ثقة المستهلكين بها وستتحول إلى جمعية صورية ليس لها أي دور ملموس في حماية المستهلك.
تحقيق أحلام المستهلكين
من جانبه رأى رجل الأعمال ماهر بن عبدالصمد بندقجي ان دور حماية المستهلك في أي بلد هو الحد من التلاعب في الأسعار وهو دور يعتبر عصب المراقبة للأسعار وفي بلادنا أنشأت الدولة وكالة وجمعية بحماية المستهلك ومن المفروض أن يكون هناك دور فاعل لهذه الجمعية والوكالة على أرض الواقع خصوصا في ظل ارتفاع اسعار السلع الحاصل الآن. مؤكدا ان إنشاء وكالة الوزارة وجمعية حماية المستهلك يحقق أحلام وتطلعات المستهلكين في إيقاف ارتفاعات الأسعار غير المبررة والارتقاء بجودة المواد الاستهلاكية ومكافحة الغش التجاري.
وعن الدور المتوقع أن تقوم به الوكالة والجمعيات في حماية المستهلك قال انه يجب أن يكون هذا الدور قد بدأ آملا أن نلمس في المرحلة المقبلة ذلك للحد من الغلاء الفاحش الذي نعايشه حاليا. معتبرا انه إذا استمر غياب هذا الدور فسيزداد الأمر تعقيدا. واشار الى انه نظرا لأهمية هذه الوكالة والجمعيات فلابد من دعمهما بالإمكانيات الفنية والإدارية وكذلك الآليات اللازمة ويمكن تدعيمها بفرق أمنية حتى تتمكن من أداء مهامها ومن المهم تعاون المواطن بشكل فاعل وهذا ضروري لإنجاح مهام هذه الجهات وبغير تعاون المواطن لن يكون هناك نجاح فالمواطن هو السند والعضد لكل المهام.
وذكر بندقجي ان هناك مثلا يقول "من أمن العقوبة أساء الأدب" ومشكلتنا هي في ضعف العقوبات ضد التجار المخالفين الأمر الذي ساهم في غلاء الأسعار والتلاعب بها وكان يجب تطبيق أقصى العقوبات بحق التجار المغالين والمتلاعبين بالأسعار واعتقد انه حان الوقت لكي تقوم هذه الجمعيات الأهلية بدورها خصوصا في هذا الوقت الذي تعج أسواقنا المحلية بالعديد من البضائع المغشوشة والمقلدة وانتشار ظاهرة الغش التجاري والتقليد الأمر الذي أدى الى زعزعة الثقة في الأسواق المحلية. واوضح أن المأمول من هذه الجمعيات وضع الخطط وبرامج العمل المناسبة مع الأسواق المحلية والمستهلك ووضع العقوبات والأنظمة الرادعة للجهات المخالفة وإيجاد آليات مناسبة لانتخاب الأعضاء التي تهدف بالدرجة الأولى الى اختيار الكفاءات الجيدة في هذا المجال وانتقاء أصحاب الخبرة والمعرفة لإثراء هذه الجمعيات والمساهمة في قيادتها والقيام بمهامها بالشكل المطلوب والاستفادة أيضا من تجارب الجمعيات والمنظمات الدولية. وبين أن نقص عدد المراقبين لدى وزارة التجارة والصناعة هو لب المشكلة الحقيقية وهو الأمر الذي أدى إلى خلق مشكلة ارتفاع الأسعار ومن هنا يجب وفي حال عدم توافر العناصر الكافية لدى الوزارة لمراقبة الأسعار الاستعانة بكوادر من جهات أخرى مثل الجهات الأمنية للحد من هذه المشكلة المتفاقمة. لافتا الى أن أهم دور للوكالة وجمعيات المستهلك هو الحد من تلاعب الأسعار كما يجب على المواطن أن يسهم في ذلك بالمقاطعة الشاملة للجهة أو التاجر المغالي في التسعيرة معتبرا ان تجربة مقاطعة السلع الدنماركية خير دليل على ذلك ومن هنا ينبغي أن يكون للمواطن دور في عملية الحد من تلاعب الأسعار. كما أن التجارب العالمية والتي تتضمن مقاطعة المستهلك للجهة المغالية في الأسعار لهي تجربة فاعلة وناجعة أثبتت جدواها ومن هنا ينبغي تفعيل دور المواطن في محاربة غلاء المعيشة.