في الأسابيع الفارطة استضاف ملحق (الدين والحياة) المتألق شخصية ثقيلة الوزن أتحفنا ببعض اجتهاداته وتأملاته ألا وهو محمد حسين فضل الله، وهو ما عودنا عليه الصحفى المبدع عبد العزيز قاسم عبر مشاركاته الإعلامية المتعددة وعلى رأسها المكاشفات.. ولنا على هذه الاجتهادات بعض الملحوظات والاستدراكات والتنبيهات التي نرى من الضروري بمكان أن يطلع عليها القراء ولا بد.. وهذه التنبيهات والحوارات على ثلاثة أضرب : دينية وسياسية ووحدوية.
ونبدأ هنا بأكبر المسائل التي نرى من الضروري التعقيب عليها لأهميتها وحساسيتها وإلا فالمسائل كثيرة ووفيرة لا يتسع المجال للكلام عليها كلها.. فمسألة تكفير المسلم من المسائل التي أعطاها العلماء حقها, وقد ذهب فضل الله إلى أنه لا يجوز تكفير المسلم؟! وفي موضعين آخرين ذكر أنه إذا اجتهد بعض الناس في مسائل علمية فلا يجوز التكفير،، والعجيب أنه ضرب مثالين حساسين جداً على ذلك وهما: سب الصحابة وتحريف القرآن.. وذهب إلى أنه لا ينبغي أن يكفر من وقع في ذلك, وأن الكفر هو إنكار النبوة أو ما يؤدي إلى إنكارها, وأن من قال بتحريف القرآن فلا يكفر بل هو مخطئ ضال؟!!
ونقول بناء على ما ذكره أن مسألة التكفير لا تجوز إلا بتوافر شروط وانتفاء موانع, ومسألتا تحريف القرآن وسب الصحابة من أخطر الأقاويل التي لم تعرف إلا عند الإمامية وهي تناقض صميم الدين وتطعن في صاحب الرسالة بل في المرسل,, فالصحابة هم نقلة الدين للعالمين والقرآن هو دستور المسلمين, فمن ابتدع هذه البدع الخطيرة فقد ناقض القرآن نفسه وكذب به وطعن في ذات الشريعة, فكيف لا يكفر من كفره الله ورسوله.. ثم إننا لو طبقنا قاعدة سماحته لوجدناها تنطبق على من قال بذلك فهي إما إنكار للنبوة أو أنها تؤدي إلى ذلك.. هذه المسائل لا مجال للاجتهاد فيها أو الاعتذار عمن اقترفها.. وقد ذهبت طوائف أهل العلم أن من سب الصحابة فقد كفر لاسيما علماء الأحناف؛ لأنه تكذيب بالوحي, أما القائل بتحريف القرآن فالقول فيه أوضح من الشمس.. والعجيب في الأمر أن البعض ابتدع بدعة سماها الإمامة والعصمة بلا دليل وكفر فيها خير الناس من الصحابة والسلف والخلف وسواد الأمة الأغلب ومع ذلك.. لا يزال أهل الإسلام يحسبونه من المسلمين أهل القبلة.. فأي الفريقين أصوب وأقرب للحق؟
ومن المسائل الدينية المهمة التي تعرض لها فضل الله مسألة التطبير (أي ضرب الجسد بالسكين) ولم يحبذها بل ذهب إلى حرمتها لإنها إضرار بالجسد،، لكنه استدرك أنه طالما كان الحزن والضرب بالطريقة الاستعراضية فلا, وإن كان اللطم بطريقة هادئة حزينة فلا مشكلة فيه.. وهنا نتساءل ونقول أليس هذا تحكما بلا دليل بل هو ضد الدليل العقلي والشرعي،، أليس الضرب واللطم مناقض لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم “ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية”؟
وفي مسألة أخرى لا تقل أهمية عن ما سبق بل ربما أهم وهي هل الإمامة ثابتة وهل هي ركن الدين وهل يكفر من لم يعتقدها؟ وذهب سماحته إلى أنها ليست من أصول دين الإسلام وإنما من أصول المذهب وإلى أنه لا يكفر من لم يؤمن بها والردة فيها إنما هي ردة عن ولاية علي؟! وذهب إلى أنه قد تعينت الإمامة بالنص, وانتقد الأستاذ (أحمد الكاتب) لما نفى عقيدة الإمامة وقال إنه تدخل في غير اختصاصه, وقال إن الإمامة مسألة اجتهادية بحجم الإسلام كله, وقال إنها ثبتت بالنص واستدل عليها بما لا دلالة قطعية فيه.. وعليه نقول: إن أقوال فضل الله متضاربة مضطربة, فتارة يقول إنها ثابتة بالنص ومرة يقول إنها مسألة اجتهادية لا يكفر من أنكرها, وتارة يهاجم من أنكرها, وتارة يذهب إلى أنه مرتد عن ولاية علي, فكيف بمن لا يؤمن بولايته وعصمته أصلاً أن يسمى مرتداً؟.. وهذا يدلنا على شعور عميق بأنها مسألة منصب ديني سياسي أعطاها الإمامية أهمية أركان الدين بلا موجب لذلك .. وقد جمعني لقاء بأحد مشايخ الإمامية في الحج الماضي وتحاورنا حول هذه القضية, وقلت له إنني أود الانتقال إلى مذهب الإمامية الآن لكن بشرط واحد ،، فانفرجت أساريره أمام أتباعه, وقال تفضل, فقلت أعطني نصاً صريحاً صحيحاً يجعل الإمامة والعصمة ركن الدين وأنا معكم, فأخذ هذا الشيخ يستدل بما يظن أنها أدلة وليست كذلك, وقال بعد أن أوضحت له أنه لا دلالة فيها بأنها ركن الدين, فرد أن هذا لا يكون إلا بالتأمل والتدبر في ألفاظ دقيقة كالإمامة ومشتقاتها في القرآن .. الخ الخ, فقلت له ألا تعلم أيها الشيخ أن القرآن قد كمل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم والشرع قد اكتملت أحكامه بنص القرآن “اليوم أكملت لكم دينكم..” فكيف يغفل النبي صلى الله عليه وسلم نصاً لا يعرفه الصحابة أجمعين, وجهلته الأمة قاطبة واختصمت من أجله خصاماً لا صلح فيه ،، هل يعقل يا أخي أن ينزل الله حكماً في أرنب يصاد في الحج ويترك أمراً مهما فيه دماء الأمة كهذا يحتاج إلى نص صريح كهذا؟! فقال لي -ما قلته - كالصلاة في القرآن, فقلت له ولكن لا خلاف بين المسلمين قاطبة في وجوبها وعددها ومواقيتها, وانتهى الحوار ههنا..
أما كلام فضل الله, فهو في نظري خطوة متقدمة من أمثاله في نقد نظرية الإمامة ووجوبها على الله وأما انتقاده للأستاذ أحمد الكاتب بأنه غير متخصص فهي وهلة منه فلا كهنوت في ديننا وأحمد الكاتب في كتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) سلك المسلك العلمي في نقد عقائد الإمامية وهو واحد منهم وبين كيف أحدثها الناس عبر التاريخ, وأنه لا دليل على كثير منها. ومما تناوله فضل الله مسألة تحريم عمر لبعض الأمور كالمتعة ومسألة إرث النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها, وأقول إنني تناولت في حواري مع الأستاذ حسن العلوي في كاب سميته: (حوار هادئ على صفيح ساخن مع الكاتب حسن العلوي في كتابه عمر والتشيع) هذه الأمور, وقد ردد العلوي الكلام ذاته الذي ردده الشيخ فضل الله, ويحسن القول أنه إذا كانت أمور الشرع محسومة مكتملة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في آيات الكتاب العزيز, فليس لأحد أن يحدث في الدين شيئاً بغير دليل.
وإن كان من تعقيب هنا فالتعقيب ينصب على الزعم أن عمر رضي الله عليه هو الذي حرم زواج المتعة, والحقيقة أن هذا افتراء على عمر فليس له أن يحرم أمراً أحله الله أو لم يحرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن ترضى الصحابة بذلك, ولن تسكت عليه الأمة،، لأنها أمة معصومة بإجماعها كما ورد في الحديث “أن أمتي لا تجتمع على .. الخ”, وقد ورد التحريم بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا ابن عيينة أنه سمع الزهري يقول أخبرني الحسن بن محمد بن علي وأخوه عبد الله عن أبيهما “أن عليا رضي الله عنه قال لابن عباس إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر”.
وفي صحيح مسلم: عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: “رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثم نهى عنها”.
أي أن المتعة أحلت مدة محدودة في زمن محدود ثم حرمت للأبد كلحوم الحمر الأهلية, كما ورد.
وفي مسلم أيضاً: عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه سبرة أنه قال :أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء, فعرضنا عليها أنفسنا فقالت: ماتعطي؟ فقلت ردائي, وقال صاحبي ردائي, وكان رداء صاحبي أجود من ردائي, وكنت أشب منه, فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها, ثم قالت أنت ورداؤك يكفيني, فمكثت معها ثلاثاً, ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع؛ فليخل سبيلها”
وقد وردت أحاديث كثيرة في كتب السنة تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم المتعة في فتح مكة, ولم يحرمها عمر على ما يزعم الإمامية, وإنما الذي حفظ عن عمر حادثة وقعت فجدد فيها وذكر فيها الأمة تحريم المتعة فظن بعض الجاهلين أو سيئي النية أن عمر هو الذي حرمها.
* أكاديمي متخصص في العقيدة