من أراد الصلاة يعرف القبلة
أصعد إلى الطائرة المتجهة إلى أمستردام بعد تجاوز كهف التفتيش الأليكتروني وضعت محفظتي الجلدية في الخزانة العلوية ومعطفي الشتوي حدقت في جاري وتبسمت له وأنا ألملم خطواتي نحو مقعدي جوار النافذة ابتسم لي ابتسامة مقلوبة وعاد ليرتدي صمتاً بارداً أعتبرت ان من بجواري «رجلاً ميتاً ولاسيطرة لأحد على رجل ميت» أدرت روحي للنافذة كانت كشافات المطار يسيل منها مايشبه الرذاذ من الضوء يتطاير على شكل شرشف رقيق من الحرير ينتهي طرفه على ارض مطار شيكاغو كانت المضيفة توزع ابتسامة الإقلاع على المسافرين وتشرح بلكنة هولندية تعليمات السلامة وتشير بإبهامها إلى مخارج الطوارئ رددت اسم اللطيف وقرأت دعاء السفر طويت جناحي كعصفور وجد مأوى انشغلت أراقب البيوت وهي تنير أضواءها المسائية نافذة اثنتان ثلاث واتطلع إلى الدخان المتصاعد من السقوف المغطاة بالثلج.. بعد أن استقرت الطائرة في السماء قررت آداء الفريضة وقبل ان أخلد للنوم في الباحة الصغيرة لاستراحة المضيفين فاتحت المضيفة برغبتي فوافقتني مرحبة.. عدت إلى مقعدي بعد الانتهاء من الفريضة لأفاجأ «بأبوالهول» زميلي في المقعد المجاور يقول لي آه أنت بالتأكيد ممن يتزوجون أربع نساء في كل مرة ويفجرون انفسهم ابتغاء الجنة كان لدي أكثر من خيار للتعامل مع هذا الرجل السميك الجلد والبليد المشاعر أن ادير وجهي باتجاه النافذة واتجاهله أو أغمض عيني وأستغرق في النوم أو أستمتع بقراءة التفسير الميسر للدكتور الشيخ «عائض القرني» ولكنني أحسست بالتحدي وأن شيئا بشعا يحترق في داخلي وتذكرت نصيحة الدكتور الجميل «حسن الزهراني» مرة عندما واجه موقفاً مماثلا «الكلمة الطيبة لها أثر بالغ وعظيم في النفوس حتى مع المختلفين معنا» أجبته باستهانة أنني أعيش في كف امرأة واحدة منذو أكثر من ثلاثين عاماً قال لي ولكنني قرأت لسلمان رشدي ماكتب عن نبيكم وعدد زوجاتة قلت له ليس كل البريطانيين خيالهم مريض كسلمان رشدي هل قرأت للبريطاني توماس كارلايل وماكتبه في «الأبطال» أو أرونولد في كتابة «العقيدة الإسلامية» او ماكتبه أعظم أدباء المانيا «جوتة» والذي هام عشقاً بنبي الإسلام قال لي وهو يزيح شعره عن جبينه أنا لم اقرأ كل ذلك أنا امريكي انتمي «للسينتولوجي» ولكن كل ماقرأته عنكم يتكرر فيه العنف والإرهاب واللاتسامح وسفك الدماء وان من يقتل غير مسلم يحظى بمكافأة سخية في الجنة أخذت نفساً عميقاً وقلت له القضاء البلجيكي صنف معتقدكم الديني «السينتولوجي» على انه منظمة إرهابية بل ان مكتب الادعاء الفيدرالي وجه تهمة للمنتمين لهذا المعتقد على أنه تنظيم إرهابي «فأنت إرهابي» إن صدقت ماقيل وكتب عنكم قال لي وكأنني منحته فرصة في إنعاش عقله قال لي كيف حددت وجهة صلاتك ولماذا كنت تنحني وتكرر ذلك عدت مرات.. قلت له من اراد الصلاة من المسلمين يعرف القبلة أما لماذا أنحني فذلك هو اليقين بالآخرة والذي لايجعل المسلم لاينحني إلا لخالقه قال لي ألا يكفي أن تكون مسلماً وتفعل شيئاً طيباً في الحياة فقط!! قلت له من صفات وسلوكيات المؤمن ان يؤدي العبادات والصلاة من العبادات والإيمان لدينا لابد ان يكون مشفوعاً بالعبادة قال لي وما رأيك فيما يحدث وحدث في العراق... قلت له هناك أبرياء لحقهم التدمير وبيوت سويت بالأرض.. قال لي الشعب العراقي كله ليس بريئاً فكثير منهم تحمسوا لغزو الكويت قلت له «كولن باول» وزير الخارجية السابق صرح في زيارته الأخيرة للكويت بدعوة من بنك الكويت «ان امريكا أخطأت في غزو العراق حيث تحولت العملية في تحرير العراق من صدام حسين إلى احتلال أرضه وأنه لم يتم تدمير فقط الجيش العراقي والبنية التحتية بل دُمر النظام المدني الكامل منه وكان لزاماً على أمريكا أن تقوم بدور الحكومة لحين قيام نظام حكومي يستطيع إدارة البلاد إلا اننا لم نقم بذلك وتركنا الأمور بدون خطة فلم تكن هناك قوات كافية لدعمنا وحدث الكثير من الفوضى!!» قال لي وهل تعتقد ان ضرب إيران إن حدث سيكون اقتراب إدارة بوش من الهاوية قلت له المخابرات الأمريكية قالت في تقريرها ان إيران اوقفت برنامجها النووي العسكري منذو عام 2003م!! قال لي هل تؤيد كشرق أوسطي ان تحكم أمريكا أمرأة قلت له يبدو لي أن عالم السياسية حتى في امريكا لازال عالما ذكوريا، الرجال الأمريكان لايطيقون مشاهدة سيدة تشاطرهم هذا العالم وقد اكون مخطئاً قال لي وما رأيك في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قلت له وأنا اهرب من مصيدة نكش الأحزان تصبح على خير!! ونمت منكس الرأس اواري دمعة طفرت من عيني ابتلعتها بصمت في الظلام!! احلم فلا أرى سوى بيوت تتهدم ونساء واطفال يهرولون فزعين وعيون شاحبة تحدق في الهلع وصراخ يعلو وأبواق عربات إسعاف تجلجل وظلام دامس معتم يبتلع كل شيء كان صوت محمود درويش ينتحب في أذني.
في المساء الأخير على هذه الأرض نقطعُ أيامنا
عن شجيراتنا ونعدّ الضلوع التي سوف نحملها معنا
والضلوع التي سوف نتركها هاهنا في المساء الأخير
لن نودع شيئاً ولانجد الوقت كي ننتهي
كل شيء يظل على حاله فالمكان يبدل أحلامنا
ويبدل زواره فجأة لم نعد قادرين على السخرية
فالمكان معد لكي يستضيف الهباء.. هنا في المساء الأخير
تتملى الجبال المحيطة بالغيم فتح.. وفتح مضاد