التضخم وأنصاف التصاريح
رغم معرفتي مثل غيري بأننا نصيح في واد، إلا أنني أصر على أن أبدأ هذه المقالة بنصيحة، والنصيحة هي أن تقتدي مؤسسة النقد العربي السعودي وكافة الأجهزة الحكومية الأخرى بوزارتي الداخلية والدفاع وتحدد ناطقاً رسمياً يقابل مراسلي وسائل الإعلام في أوقات معلومة ويبلغهم بكل ما ترغب الوزارتان في إعلانه على الملأ من أخبار وتعليقات مع الاستعداد لتقبل كافة الأسئلة والتساؤلات والإجابة عليها. وأقدّم هذه النصيحة التي يبدو أن المستشارين الحكوميين لم يقدموها لرؤسائهم الذين يصرّون هذه الأيام على تكثيف الحضور في وسائل الإعلام ومفاجأة الناس بتصريحات مبتورة، متناقضة، وغامضة ينفي بعضها بعضا إلى درجة تثير التساؤل عمّا إذا كانت تلك التصريحات بهدف إيضاح الحقائق أو أنها لمجرد المزايدة الشخصيّة بين المسؤولين أنفسهم.
وأقدّم هذه النصيحة لمؤسسة النقد لأن محافظها ونائبه بدآ منذ عدّة أشهر في إكثار التصريحات في مناسبات متعددة عن التضخم والشؤون الاقتصادية ذات المساس بحياة الناس. والقاسم المشترك في تصريحات الرجلين أنها تتعامل مع اقتصاد لا نراه على أرض الواقع بطريقة تصل حدّ الاستفزاز لمشاعر المواطنين الذين أصبحوا يتابعون إجراءات وقرارات الاحتياط الفدرالي الأمريكي أكثر مما يتابعون قرارات وإجراءات المؤسسة التي يقفان على رأسها بسبب إصرارهما على الإبقاء على ربط الريال بالدولار أو حتى إعادة تقييمه حتى أصبح سعر صرف اليورو في بلادنا يقترب بسرعة فائقة من سعر صرف الجنيه الإسترليني والمستوى العام للأسعار يتزايد يوماً بعد يوم إلى حدّ أن كافة الخبراء وبيوت الاستثمار العالمية والبنوك يتوقعون تضخماً لا يقل عن خمسة في المائة في المتوسط لكافة الدول الخليجية ونمواً لا يزيد على أربعة في المائة فقط في ضوء تباطؤ الاقتصاد الأمريكي الذي تأكد الآن، وتوقع انخفاض إضافة قطاع النفط للناتج الوطني الذي سيتبعه بالتأكيد انخفاض فوائض موازنات دول الخليج وقدرتها العالية على الإنفاق بطريقة السماء المفتوحة.
وسط هذه التوقعات غير المطمئنة على استمرار الطفرة الحالية يأتي تصريح لمحافظ مؤسسة النقد بأنه لا يتوقع أن يزيد معدل التضخم لهذا العام 2008 عن (4,1%) وهو نفس المتوسط الذي حققه للعام الماضي 2007م. ولم يمض على تصريحات المحافظ عدّة أيام حتى قفز معدّل التضخّم حسب تقديرات وزارة الاقتصاد و التخطيط إلى (7%) وهو معدل لم يصله في أي من السنوات السبع والعشرين الأخيرة، ليعود المحافظ مرّة أخرى لتعديل تصريحاته ليتوقع أن يرتفع التضخم في النصف الأول من هذا العام ليعود للانخفاض خلال النصف الثاني باتجاه نهاية العام. بعد ذلك انتقل المحافظ للدفاع عن الدولار ونصح الأوروبيين الأسبوع الماضي بشرائه لأن شراءه هذه الأيام يعتبر فرصة تاريخية حسب تعبيره، وما أن سمع العالم أجمع بهذه النصيحة العجيبة حتى نقضها الرئيس الأمريكي نفسه بعد يوم واحد فقط بالتصريح بأنه لا يفكر في تغيير سياساته الحاليّة تجاه الدولار الذي يفقد قيمته بسرعة فائقة ويسحب معه الريال حتى أصبح الريال السعودي لا يساوي (درهمين) مغربيين!. وهنا يدخل نائب المحافظ على خط التصريحات بتوقعاته بانخفاض التضخم بحلول النصف الأول من هذا العام بفعل إجراءات حكومية لم يحددها..
وبمحاولة التفكير بتلك الإجراءات، لا نجد شيئاً يمكن لمؤسسة النقد أن تفعله إلا فعلته، فقد خفّضت سعر الإقراض بينها وبين البنوك ولكنها لم تخفضه بين البنوك والمواطنين بدعوى الخوف من التضخّم، ثم أنها زادت الاحتياطي النظامي الذي يجب أن تحتفظ فيه البنوك في خزائنها في كافة الأوقات خوفاً من التضخم، كما أنها أدخلت البطاقات الائتمانية التي يحملها المواطنون في ذممهم المالية عند طلبهم للقروض مما أدى إلى تضييق تلك الذمم والحد من قدرة الناس على الإنفاق الاستهلاكي وحتى الاستثماري.
ولا نرى بالتالي أية فتوحات محتملة لمؤسسة النقد يمكن أن تقدم عليها إلا من خلال إحداث اختراق رئيسي في (جبهة الدولار) أما فيما يندرج في نطاق علاقة المؤسسة بالمواطنين من خلال وسائل وأدوات السياسة النقدية التقليدية المعروفة، لم تقصّر هذه المؤسسة أبدا في التضييق عليهم حتى أنني أخشى أن تلجأ لتجميد الحسابات الشخصية للحد من التضخّم.
وأتوقع بالتالي أن تكون الإجراءات الحكومية التي يشير إليها نائب المحافظ خارج نطاق مؤسسة النقد ومن جهات حكومية أخرى. وبالتالي لا أجد أن نائب المحافظ مخوّل بالتلميح إلى إجراءات سيقدم عليها غيره لأن ذلك الغير أولى بالحديث عن نفسه وأولى بالتقدير للجهود التي يبذلها ولا يجب أن يحاول احد أن يجيّر نجاحات الآخرين لحسابه بتصريحات غامضة.
ولذلك يؤسفني القول أنه في ضوء العجز الواضح للأجهزة الاقتصادية في معالجة الظواهر الاقتصادية التي تنبئ بخلل أعمق فإن آخر الطب الكيّ. وآخر الطبّ هنا هو اللجوء إلى الحلول الوقائية حيث لم يتبق أمامنا من خيار سوى تسليم الأمر برمّته للجهات الأمنية للسيطرة على التلاعب في الأسعار، والعمل على منع إخفاء وتهريب السلع المعانة، والتأكد من أن إعادة هيكلة الإعانات وإيصالها لمستحقيها، وتجميد إيجارات الدور والمساكن لعدّة أعوام، وتحديد نسب معيّنة للربحية للممتلكات الجديدة عند دخولها للسوق لأول مرّة حتى تعود الأمور إلى نصابها وتهدأ النفوس..
altawati@yahoo.com