جدار التاريخ
تخيل معي انك تقف امام صرح عظيم ممثلاً في جدار ضخم شاهق الارتفاع.. في كل يوم تذهب الى هذا الجدار, فيأتي أكثر من شخص ويقوم بكتابة وتوثيق حدث معين او سيرة لشخص او وقائع حدثت لدولة ما..
مرت الأيام وانت لا تزال تراقب هذا الجدار, واذا بك تفاجأ بأنه قد امتلأ بأحداث واخبار وسير وحكايات لا حصر لها.. وبعد ان تملكك الفضول تقترب من هذ الجدار لترى هنا وقد كتبت تفاصيل لمعركة طاحنة انتهت بفك حصار واقتحام تلك المدينة الصغيرة واسر الكثير من المحاربين.. تنظر للجهة الاخرى من الجدار فترى سيرة طويلة لشخص من العهد القديم وقد مُجدت افعاله وبطولاته وانجازاته, وفي آخر تلك السيرة الذهبية رقم ما يدل على تاريخ وفاة هذا الشخص منتحراً..
تنظر الى الاعلى من سيرة الرجل فترى ماضي أمة ما قد سطر على جنبات هذا الجدار, تنظر هناك في الجانب الآخر فتشاهد الكثير من الاحداث والانجازات والهزائم بخط من شهدوا حدوثها او سمعوا عنها.
ينفد صبرك فتهجر المكان وقد اصابك الذهول لما رأيت من كثرة ما كتب على ذلك الجدار الغريب.
بعد مضى 50 او 60 او 70 عاما تعود الى ذلك الجدار, فتجد ان حاله لم يعد مثلما تركته قبل عشرات السنين ها قد تهدمت اجزاء كبيرة منه واجزاء اخرى قد شطب ما كتب عليه وعدل عليه.
فتعود بذاكرتك الى الوراء وتسترجع ما قرأته في ذلك الصرح الذي لم يعد كذلك الآن فتجد ان الكثير مما كان مكتوباً قد حرف او طمس وتجد ان هناك اشياء كتبت حديثاً فلا تعلم ايها تصدق او تكذب. هذا هو تصوري تجاه (التاريخ).. الذي لا نعلم حقيقته فهو كحال ذلك الجدار كتب عليه اناس واتى آخرون وحرفوا واضافوا على ما كتبه من كان قبلهم وكتبوا التاريخ ليس بشيء مقدس وليس وحياً.
(التاريخ هو ذلك الجدار, فلا يجدر بك التصديق بكل ما كتب عليه).
عبدالرحمن الاسمري