ألا يمكن أن يرقد الموتى بسلام في مقابرنا
هناك دائما حدود يجب أن يتوقف عندها المنظور العادي للأمور، وأخص هذه الحدود التي تتعلق بالمنطقة المشتركة بين العالم الدنيوي والأخروي، والقضية المؤلمة بشكل شخصي بالنسبة للكثيرين هي الإجراء المتبع بإعادة كشف القبور كل فترة وتكويم بقايا الأموات في ركن من القبر لتفتح القبور لاستقبال المزيد كما في مقبرة المعلاة بمكة، ويمكن تخيل شعور الأهل عندما يأتون لزيارة عزيزهم فيجدون القبر فارغا بدون أن يتم إعلامهم ولا استئذانهم وليجدوا أن عمالا لا يفقهون أبجديات الدين وحرمة الموتى يقومون بهذا الأمر الذي يوجع الوجدان والحس الإنساني والإيماني الذي تربى على أن للميت حرمة عظيمة وأن هذه المقابر ليست معملا لتحليل الجثث لتتم إعادة نبشها وتكويمها لإخلاء القبر لغيرها بطريقة آلية كأنها عملية مصنعية! إنما القبر حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، إنه المكان الذي تسجى فيه الملائكة الصالحين بمقولة (نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك) الترمذي وصححه الألباني، وكل التراث الإسلامي عن حرمة وكرامة الموتى وضرورة عدم المشي في المقابر بالأحذية وأنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي، فهل يتصور أحد أن مثل ذلك الإجراء لا يؤذي الموتى روحيا ومعنويا ويؤذي أقاربهم الأحياء؟! ونعم للقضية اعتبارات عملية، لكن هناك أيضا حلول عملية غير هذا الإجراء، وذلك بفتح باب التوسعة والأوقاف والمدافن الخاصة وتطوير آلية هندسية أكثر رقيا، فالإجراء المتبع يفتح الباب لإساءات الله بها أعلم، من قبيل ما نشرته "عكاظ" عن مقبرة الفيصلية بجدة1427هـ، حيث كانت المؤسسة الخاصة المتعاقدة مع الأمانة لتجهيز الموتى قد طلبت تركهم يدفنون مزيدا من الموتى في نفس القبور بعد تسعة أشهر وتحلل الجثث.
وفي محاضر التفتيش تبين وجود "جثث جماعية" غير متحللة في القبر الواحد، وبعض الجثث غير المتحللة مكدس فوق بعض أو تم ثني وحشر أجساد البعض الآخر وحسب عكاظ09/06/1427 كان ضمن هذا السياق مقطع البلوتوث الذي يظهر فيه عامل مقبرة يقوم بتهشيم جثث الموتى بأداة الحفر لتكويمها، وحسب شهادة مصور المقطع مع صديقيه فالعامل عندما سألاه عن كيفية إفراغ القبر، أراهما الطريقة فصوراه، ولما أنكرا فعله قال “إنه يعمل بالمقبرة منذ سنوات وهذه طريقة تعاملهم مع بقايا الناس لأجل تكويمهم”، وصرح مدير إدارة التجهيز بأمانة جدة ورئيس اللجنة التي قامت بالتحري مطير الزهراني بأنه أقيل بعد كشفه لهذه الحقائق وأن المؤسسة المسؤولة عن هذا الإجراء "وقعت عقدا مع الأمانة بمليون و200 ألف سنويا عن المقبرة الواحدة رغم أن عددا من فاعلي الخير تقدموا بطلب استلام المقابر والقيام بالدفن بلا مقابل، لكن الأمانة رفضت دون إبداء الأسباب! وقال: أوصيت أبنائي بعدم دفني في مقابر جدة لما رأيته بعيني" وأعلن المفتي "عدم جواز وضع أكثر من جنازة في قبر واحد". وفي ظل ثقافة حقوق الإنسان فمن حق الإنسان تركه يرقد بكرامة وسلام باسم على مرقده.
bushra.sbe@gmail.com